التوريث السياسي في آسيا مكوّن من مكوّنات الحياة السياسية، رغم أن الصين كانت تعتمد منذ عام ٦٠٥ على مبدأ «سلم الجدارة» للوصول إلى أعلى مراكز السلطة. ويبدأ السلم الإداري بـ«الامتحان الامبرطوري» لعشرة آلاف مرشح ويدوم ٨ أيام بعد دراسة ٨ سنوات، ويقسم الممتحنون إلى ٨ درجات حسب النتائج لمد الإمبرطورية بموظفين كفوئين من دون النظر إلى أصولهم


بسّام الطيارة
التوريث السياسي المعروف والمقبول في لبنان وعدد متزايد من الدول العربية يتشعب أيضاً في الدول الآسيوية الناهضة اقتصادياً، من الهند حيث عائلة المهاتما غاندي لا تزال تؤدي دوراً في مصير «أكبر ديموقراطية في العالم»، وباكستان حيث أورث «علي بوتو» ابنته بناظير الحكم قبل أن تورثه لابنها وزوجها رئيس الجمهورية الحالي آصف علي زرداري، وصولاً إلى أندونيسيا «أكبر ديموقراطية إسلامية» حيث ورثت ميغاواتي والدها أحمد سوكارنو «أبو الاستقلال»، فضلاً عن سلالات رجال السياسة اليابانيين الذين يتوارثون منذ عهد ميجي حتى اليوم «الترشح للانتخابات» والمراكز البارزة في الحكومات المتعاقبة.
إلا أن أبرز ظاهرة توريث نراها اليوم في «آخر نظام شيوعي»، أي في كوريا الشمالية حيث يبدو أن كيم جونغ إيل يحضر لتوريث ابنه كيم جونغ أون (٢٧ عاماً) الحكم الذي ورثه عن والده كيم إيل سونغ.
فمنذ أشهر، يرى المراقبون أن نمط التوتر الذي يرافق المحادثات السداسية بشأن الملف النووي الكوري الشمالي يترافق مع إعلانات تخص الابن الثالث للزعيم الكوري من الراقصة السابقة كوو جونغ هيل، الذي «انتخب» العام الماضي عضواً في الجمعية الشعبية العليا وإن «أبقي انتخابه سرياً». وحسب معلومات متقاطعة، فإن كيم جونغ أون بات اليوم عضواً في «اللجنة الوطنية للدفاع» وهي أعلى سلطة في البلاد. و«الوريث»، الذي درس في سويسرا ويتكلم الانكليزية والفرنسية والألمانية بطلاقة، غير معروف في الخارج وإن بدأت صورته بالظهور أخيراً في الصحف المحلية، وهو ما اعتبره البعض مؤشراً على «تراجع صحة والده».
ويعتقد بعض المحللين أن «سياسة شفير الحرب» والتوتر الدائم تهدف إلى التحضير لقبول ابنه من قبل المحيط القريب لكوريا، أي الدول الست التي تناقش مع بيونغ يانغ ملفها النووي (كوريا الجنوبية واليابان وروسيا والولايات المتحدة والصين). وبالطبع فإن قبول الصين «الحليفة الوحيدة» لهذا التوريث يمكن أن يساعد في «حماية الحاكم الجديد».
ومن هنا يفسر البعض اصطحاب الزعيم الكوري (٦٨ عاماً)، الذي يعاني من مشاكل صحية متراكمة، ابنه معه في ثاني زيارة له خلال ثلاثة أشهر إلى بكين ليقدمه للمسؤولين الصينيين. ورغم غياب اسم الابن من اللائحة الرسمية لأعضاء الوفد المرافق، إلا أن من المؤكد أنه كان ضمن الوفد الذي التقى بالزعيم الصيني هو جينتاو. وقد لاحظ المراقبون زيارة كيم جونغ إيل لمدرسة والده في مقاطعة جيلين الصينية، التي تردد إليها قبل أن ينخرط في «مقاومة الاحتلال الياباني» إلى جانب ماو تسي تونغ والجيش الشعبي، وكأنه أراد «التذكير بضرورة الاستمرار في التعاون» مع الجارة الكبرى.
ومثل كل حالات التوريث، فإن «معركة التحضير لاستمرارية الحكم» تمر بمرحلة «تسخين الأوضاع قبل تبريدها»، مع التلويح بإمكان تحسن على كل الأصعدة «في حال تأمين تسلم الحكم للمختار».
وأكدت وسائل الإعلام الصينية الاثنين أن الرئيس الصيني هو جينتاو وكيم جونغ إيل عبّرا عن تأييدهما لاستئناف المفاوضات السداسية حول الملف النووي، فيما عدّه المراقبون «إشارة انفتاح قوية» يمكن أن توضع في خانة «الدور الإيجابي لبكين».
وذكر التلفزيون الوطني الصيني «سي سي تي في» أن الزعيم الكوري الشمالي أعرب للرئيس الصيني، خلال مباحثاتهما الجمعة الماضية في مدينة شانغشون (شمال شرق)، عن «رغبته في استئناف المفاوضات السداسية بشأن الملف النووي» التي انسحبت منها بيونغ يانغ في نيسان من سنة ٢٠٠٩، والتي تهدف الى إقناع النظام الشيوعي بالتخلي عن طموحاته النووية، في مقابل الحصول على مساعدة كبيرة في مجال الطاقة.
ونقلت أوساط رافقت الزيارة أن كيم جونغ إيل أبلغ مضيفيه بأن بلاده «لا ترغب في رؤية توترات في شبه الجزيرة الكورية»، فيما نقلت عن هو جينتاو تصريحات تفيد بأن الصين «تحترم وتدعم جهود كوريا الشمالية من أجل انفراج الوضع في شبه الجزيرة الكورية وتحسين بيئتها الخارجية»، وهو ما فسره المراقبون بأنه قبول صيني بطروحات التوريث، وخصوصاً أن التلفزيون الصيني أظهر هو جينتاو يدعو «إلى بدء إصلاحات وتحديث البلاد» قبل أن يؤكد أن «الصين مستعدة للعمل من أجل زيادة المبادلات التجارية وتعزيز التعاون الاقتصادي» بين البلدين اللذين يفترض أن تؤدي الشركات فيهما «دوراً أساسياً»، في إشارة إلى قبول حاكم كوريا الشمالية بعض الانفتاح في مجال التجارة، وهو مطلب أميركي وكوري جنوبي. قبل أن يضيف الزعيم الصيني ضرورة التعاون الاستراتيجي «نظراً الى أن الوضع الدولي والإقليمي يشهد تغييرات عميقة ومعقدة»، مشيراً إلى أن «الاتصال السريع والمعمق بين الصين وكوريا الشمالية بشأن المواضيع الكبرى يكتسي أهمية أساسية».
الإشارة هنا إلى «التوتر» وأهمية التواصل يدلّ إن لزم الأمر على أن بكين توصلت إلى إقناع بيونغ يانغ بضرورة أن تبدأ سياسة انفتاح متدرجة في الملف النووي ترافق عملية انتقال الحكم، وهو ما يمكن أن يسهل «قبول واشنطن بالشاب كيم جونغ أون المتعلم في الغرب»، وخصوصاً إذا ما جاء مع «مسحات من الانفتاح في مجال الحريات العامة» وتخفيف حدة التوتر على الحدود مع الشقيقة الجنوبية.
هذه الاستراتيجية تضمن وصول «الابن العزيز إلى الحكم» وتمنع «شهية المنافسة عن الحرس القديم» إذا ما راودته الرغبة بأخذ الحكم، كما تؤمن أيضاً مصالح الجارة الكبيرة التي بالطبع لا ترغب في رؤية حالة فوضويّة على حدودها في حال إفلات زمام انتقال الحكم نتيجة اختفاء الزعيم الحالي فجأة، كما لا ترغب في أن تنهار كوريا الشمالية وتحصل الوحدة بين الكوريتين، ما يجعل الصين محاصرة من أربع قوى مناوئة تاريخياً لها: اليابان في الشرق وكوريا الموحدة في الجنوب وروسيا في الشمال، بينما غربها مستند إلى «منافستها المقبلة» الهند.