strong>المساجين أيدٍٍ عاملة رخيصة تدرّ الأرباح على الشركات

بعد خصخصة قطاعات الصحة والتعليم والانتهاء الفعلي لدولة الرعاية التقليدية، ها هي «الشراكة مع القطاع الخاص» تصل إلى أهم وأقدم دور تضطلع به الدول: الوظيفة العقابية. فإلى جانب تأجير بعض الدول سجونها الفارغة لجيرانها الباحثين عن مكان لمجرميهم، تزداد في الولايات المتحدة ظاهرة استئجار الولايات (37 ولاية حتى اليوم) سجوناً من الشركات الخاصة أو تُلزّمها إدارة السجون التي بنتها الدولة. وهذه الشركات تشغّل المسجونين في مقابل مبالغ بخسة لإنتاج السلع التي تبيعها للمستهليكن حول العالم. فطغيان قيم السوق والربح السريع أثّر على مفهوم الدول لوظيفتها الإصلاحيّة، فلم تعد ترى من ورائها سوى مصدر جديد للربح وزيادة الإيرادات

ديما شريف
أنهى خمسمئة بلجيكي، أخيراً، انتقالهم إلى هولندا. رحلوا إلى مدينة تيلبرغ الجنوبية واستقرّوا هناك، مبدئياً حتى نهاية 2012، مع إمكان التجديد لسنة إضافية. ستنفق دولتهم ثلاثين مليون يورو في العام الواحد لإسكانهم هناك... في سجن تيلبرغ العام الذي استأجرته من نظيرتها الهولندية. فبلجيكا تعاني منذ سنوات من الزحمة الشديدة في سجونها، ولم تعد غرف السجون تكفي لإيواء المحكومين. وزادت نسبة شاغلي الغرف في السجون ازدياداً كبيراً منذ منتصف التسعينيات مع إبقاء أغلب المتهمين مسجونين حتى يُحاكموا تفادياً لما حصل مع مارك دوترو الذي اعتقل بتهمة خطف فتيات واغتصابهن وأفرج عنه قبل المحاكمة ليرتكب جرائم إضافية في هذه الأثناء. ولتفادي الانتقادات والنقمة الشعبية التي واجهتها الحكومة البلجيكية آنذاك (منتصف التسعينيات)، اتخذ قرار سجن جميع المتهمين بجرائم خطيرة حتى موعد محاكمتهم، وخفض عدد من يُفرج عنهم بشروط.
هكذا وجدت بلجيكا نفسها منذ سنتين مع عشرة آلاف وأربعمئة سجين مقابل 8334 مكاناً فقط في سجونها الـ32، التي يعود 20 منها إلى القرن التاسع عشر.
في هذا الوقت، كانت هولندا تعلن أنّها ستغلق عدداً من سجونها نتيجة وجود ألفي مكان شاغر لديها، بعدما أصبح بعض هذه الأماكن عبئاً مادياً على خزينتها. فالقوانين الهولندية ليست صارمة كنظيراتها الأوروبية الأخرى مع تشريع الدعارة واستخدام المخدرات والحرية التي يتمتع بها الناس، ما يقلّل من ارتكاب الجرائم. هكذا تلاقت مصالح الهولنديين والبلجيكيين، واتفقت الدولتان على تأجير سجن تيلبرغ لبروكسل. ويدير السجن شخص بلجيكي، فيما الحراس هولنديون. لكنّ السجن يخضع للقوانين البلجيكية، وانتقل إليه محكومون بمدد طويلة من الفلاندر، لكونهم يتكلمون الهولندية. وإذا ارتكب هؤلاء جرائم داخل السجن، فسيخضعون للقانون الهولندي. وبعد توقيع الاتفاق بين البلدين بداية العام الحالي، أكد وزير العدل البلجيكي السابق ستيفان دوكليرك أنّ الحل مؤقت، إذ إنّ بلاده بدأت ببناء سجون جديدة.
فكرة التأجير هذه أعجبت مسؤول مجلس إدارة السجون اللاتفية، فيسفالديس بوكيتي، الذي اقترح تأجير سجون البلاد إلى الدول الأوروبية الأخرى. وأوضح بوكيتي أنّ هدفه زيادة مداخيل بلاده التي تعاني كثيراً من الأزمة المالية العالمية. لكنّ الحكومة اللاتفية تغاضت عن المشروع، لأنّ سجونها مليئة أصلاً، ويجب استحداث مبان جديدة، إضافة إلى أنّ معايير تشغيلها مختلفة جداً عن تلك المعتمدة في الاتحاد الأوروبي.
لكنّ تأجير السجون ليس جديداً، إذ كانت الولايات المتحدة سبّاقة إلى ذلك، فاخترعت مفهوم السجون الخاصة منذ سنوات، وتبادلت الولايات في ما بينها المساجين. أول المبادرين إلى ذلك كانت ولاية مشيغان، التي اشتهرت دوماً بأعلى نسب جريمة وفقر بين الولايات جميعها، وبنت السجون وفقاً لذلك. لكن في السنوات الأخيرة، أصبحت هذه المباني عبئاً مادياً عليها، وأعلنت في بداية 2009 عزمها على إغلاق عدد منها لتوفير مبلغ 120 مليون دولار في السنة. لكنّ حاكمة الولاية جينيفير غرانهولم فكرت بطريقة أخرى لتوفير المال، فبادرت إلى عرض غرف السجون التي ستغلق على الولايات الأخرى، مثل كاليفورنيا، التي يبحث حاكمها آرنولد شوارزينيغر عن مكان لفائض المساجين من ولايته. وأرسلت كاليفورنيا في السنوات الماضية 7000 من مساجينها إلى السجون الخاصة في أريزونا، تينيسي، ميسيسيبي وأوكلاهوما.
كذلك أبرمت ولاية مشيغان اتفاقاً مع ولاية بنسلفانيا لاستقبال ألف من مساجينها في «مؤسسة موسكيغون الإصلاحية». وهذه الصفقة سمحت بالحفاظ على 175 وظيفة لمن يعملون في السجن حتى نهاية 2013 على الأقل. وستدفع بنسلفانيا مبلغ 62 دولاراً في اليوم الواحد مقابل كل سجين لديترويت التي ستحصد أرباحاً بقيمة 2.15 دولار عن كلّ سجين يومياً.
لكنّ الصفقات الكبرى في أميركا تجري على مستوى السجون الخاصة. فبعض الشركات اكتشفت منذ سنوات أنّها تستطيع حصد أرباح خيالية بفتح سجون وتشغيلها بالنيابة عن السلطة الفدرالية والولايات، إذ إنّ التشريع الأميركي يرغم السجناء على العمل في السجن في مقابل بدل مادي. وإذا لم يرغب السجين في العمل، فسيضطر إلى تحمّل العزلة في غرفة انفرادية. هذا الخيار الصعب يجعل الجميع موافقاً على العمل. وفيما تدفع السجون الحكومية 1.25 دولار وأحياناً دولارين للسجناء فيها عن كل ساعة عمل، مع إمكان عمل ساعات إضافية إلى جانب الثماني المطلوبة قانوناً، لا تدفع السجون الخاصة سوى 17 سنتاً عن كلّ ساعة عمل. عملية حسابية بسيطة تجعل الرقم الذي توفّره الشركات المشغّلة لهذه السجون كبيراً جداً، ما يزيد من أرباحها، وخصوصاً أنّ الدولة تدفع لها ما يزيد على خمسين دولاراً في اليوم لإيواء المساجين. ويصنع المساجين كل شيء يمكن تصنيعه داخل جدران السجن. فمثلاً ينتج السجناء في أميركا مئة في المئة من كل احتياجات الجيش، من الخوذ والأحزمة والستر الواقية والخيم والثياب وعبوات المياه. كذلك تمثّل الصناعة داخل السجون 93 في المئة من الدهانات والفراشي، و92 في المئة من الأفران، و36 في المئة من الصناعات المنزلية، و30 في المئة من سمّاعات الأذن و21 في المئة من أثاث المكاتب. واقع جعل بعض الشركات تغلق فروعاً لها في المكسيك للاستثمار في السجون.
وتسعى اليوم الشركات الكبرى المشغّلة للسجون إلى تأجير خدماتها في مقابل المساجين المحكومين بمحكوميات طويلة جداً، وخصوصاً العنيفين. فهؤلاء سيمارسون عنفهم داخل السجن، ما يزيد من فترة محكوميّتهم، ليضيفوا المزيد من الأرباح إلى جيوب هذه الشركات.



أكبر نسبة مساجين لأكبر نسبة أرباح

كان عدد المساجين في أميركا في السبعينيات لا يزيد على ثلاثمئة ألف، لكنّه وصل العام الماضي إلى مليونين وثلاثمئة ألف شخص، لتصبح الدولة الأولى في العالم من حيث عدد المساجين. وترى دراسة أصدرها أخيراً حزب العمال التقدمي الأميركي أنّ سبب ذلك يعود إلى سجن المتهمين بقضايا غير عنفية يمكن حلّها عبر مراقبة أو خدمة اجتماعية، إلى جانب القانون الذي أقرّته 13 ولاية في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن بدعم منه، بشأن «الضربات الثلاث»، أي إنّ كل شخص يُتّهم بثلاث جنح يمضي 25 سنة في السجن. ويرى الحزب أنّ هذه القوانين التي أقرّت بضغط من الشركات الكبرى والمصارف التي تموّل عملها (ليمان براذرز وميريل لينش)، تناسب مفهوم السجون الخاصة، فهي توفّر اليد العاملة الرخيصة، لمدة طويلة جداً. فبعض الشركات وجدت أرباحها تتعاظم بعد دخولها مشروع السجون الخاصة بنسب وصلت إلى 300 في المئة. ومن أهم المؤسسات التي «توظّف» محكومين: بيار كاردان، ديل، كومباك، آي بي ام، بوينغ، موتورولا، مايكروسوفت، هيوليت باكارد وإنتل. وتدير 18 شركة هذه السجون، وتؤجّر الأيدي العاملة للمؤسسات، مع سيطرة شركتين على أكثر من 75 في المئة من السوق وهما: وايكنهات ومؤسسة أميركا للإصلاح.