بدأ العمل، بأسرع من ما كان منتظراً، على ترجمة التعديلات الدستورية التي نجحت في 12 أيلول التركي، في السياسة والقضاء والقوانين


أرنست خوري
يُنتظر أن يكون أول ما سيفعله نواب حزب «العدالة والتنمية» في مطلع تشرين الأول المقبل، فور عودتهم من إجازاتهم الصيفية، هو تعديل 200 قانون ومرسوم تطبيقي ليتلاءموا مع المواد الدستورية الـ25 المعدلة في 12 أيلول، وهو الملف الذي يتولّاه نائب رئيس الكتلة البرلمانية لـ«العدالة والتنمية»، بكير بوزداغ. وبدأ الكلام الجدّي عن المرحلة السياسية المقبلة في تركيا، أكان على صعيد الأولويات التي تنتظر رجب طيب أردوغان وحزبه وحكومته، أم مستقبل الخاسرين من الاستفتاء. كما أن العجلة القضائية لمحاكمة جنرال انقلاب 12 أيلول 1980، الرئيس الأسبق كنان إيفرين (93 عاماً)، دارت بسرعة استثنائية، مع تسجيل عدد كبير من الدعاوى القضائية ضده، وفي أكثر من مدينة، كإزمير واسطنبول وبورصة وديار بكر.


دعوات يميناً ويساراً لمفاوضة الأكراد وأوجلان قبل 20 أيلول
ومن أبرز ما طفا على سطح الاعلام التركي، تسجيل عودة قوية للداعية الاسلامي المعتدل فتح الله غولن إلى الشؤون التركية الداخلية، داعماً لحزب «العدالة والتنمية» ولاستفتائه، لمحو آثار ما بدا أنه خلاف مع حزب أردوغان عندما انتقد غولن سماح السلطات التركية لأسطول الحرية بالابحار من المياه التركية إلى غزة و«التسبب بإشكال مع إسرائيل».
ولم يعد سراً الأثر الكبير الذي كان لغولن ومؤسساته في ترجيح كفة الـ«نعم» في الاستفتاء. وقد يكون أبرز دليل على مساهمة غولن في فوز التعديلات بثقة الشعب، أنّ أردوغان شخصياً شكره علناً في خطاب النصر. كما أنّ حزب الحركة القومية اعترف بأنه خسر اثنتين من المناطق التي يتمتع فيها بقوة شعبية (وهما أرضروم وأكسراي، تُضافان إلى 5 محافظات ومدن كبيرة خسرها هي عثمانية وكستامونو وكرابوك وإسبرطة غوموشان) بسبب ثقل مؤسسات غولن فيهما.
في المحصلة، فإنّ الخسارة الكبيرة التي سجّلها «الحركة القومية» في استفتاء 12 أيلول، باتت تهدّد وجود الحزب نفسه ومدى قدرته على اجتياز حاجز الـ10 في المئة في الدورة المقبلة من انتخابات 2011 التشريعية، بعدما صوّت نحو 30 في المئة من محازبيه تأييداً للتعديلات الدستورية، بحسب القراءة التي قدّمها إبراهيم كالن، وهو كبير مستشاري أردوغان حالياً.
وفي مقالته التي نشرتها «توداي زمان»، يقول كالن إنّ أردوغان «سيصالح» الذين صوّتوا بـ«لا» لـ«العمل معاً لجعل تركيا أقوى وأغنى من خلال دستور جديد بالكامل». ويخلص كبير مستشاري أردوغان إلى الجزم بأنّ الاعداد للدستور الجديد سيكون عنوان الأشهُر المقبلة، حتى قبل وصول موعد انتخابات الصيف المقبل. وعن حسابات الربح والخسارة، ركّز كالن على واقع أنه، رغم إعراب زعيم الحزب المعارِض الأكبر، «الشعب الجمهوري»، كمال كليتش دار أوغلو، عن رضاه عن النتيجة التي حققها المعسكر الرافض للتعديلات (42 في المئة)، فإنّ النتيجة تبقى ثاني خسارة شخصية لدار أوغلو في أقل من عام، بعد فشله في معركة رئاسة بلدية إسطنبول في العام الماضي. وإذا كان واقع زعيم «الحركة القومية» دولت بهشلي أليماً، فإنّ زعيم حزب الأكراد، «السلام والديموقراطية»، صلاح الدين ديميرتاش، لا يعيش مثل هذه الأيام الصعبة، بعدما التزم نحو 70 في المئة من الأكراد بدعوة المقاطعة، وبالتالي فإنّ ديميرتاش لن يضطر للاستقالة بما أنه سبق له أن تعهد بفعل ذلك إذا وصلت نسبة المشاركة الكردية إلى 50 في المئة. والنصيحة الوحيدة التي وجهها ديميرتاش لأردوغان، في

200 قانون سيبدأ البرلمان تعديلها وعدد كبير من الدعاوى ضدّ جنرال الانقلاب
خطاب انتصار المقاطعة، كانت مقتضبة: فاوض عبد الله أوجلان.
وفي السياق، خرجت الأصوات العالية في معظم الصحف والتلفزيونات التركية (حرييت وملييت وسي أن أن تورك) لإقناع أردوغان بضرورة البدء بالتفاوض مع الأكراد قبل 20 أيلول الجاري، موعد انتهاء هدنة «العمال الكردستاني»، بعدما ثبّت أكراد تركيا اصطفافهم خلف حزبهم الأكبر «السلام والديموقراطية» وخيار مقاطعة الاستفتاء.
كذلك، توقفت الصحف طويلاً أمام هوية الأطراف التي شكرها أردوغان في خطابه. قرّر الظهور كرجل دولة، فبدأ بتوجيه التحية لأحزاب المعارضة، قبل أن ينتقل إلى «ناس» الـ«نعم»: «حزب السعادة» (آخر أحزاب نجم الدين أربكان الذي كان أردوغان أحد تلامذته)، ثمّ حزب «الوحدة الوطنية الكبرى» وحزب «الحقوق والحريات». وبعدما خصّ غرفة التجارة بالشكر، وصل دور «الليبراليين والمثقفين الأكراد والثوريين اليساريين والفنانين الذين لم يسمحوا للضغوط بالتأثير على خيارهم بتأييد الإصلاحات». وبحسب إحصاءات الحزب الحاكم، فإنّ الـ58 في المئة الذين أيّدوا الاصلاحات يتوزعون على الشكل الآتي: 45 في المئة لـ«العدالة والتنمية»، 5 في المئة لحزب «السعادة»، و2 في المئة لـ«الوحدة الوطنية الكبرى» و1 في المئة لـ«غير حزبيين»، لكنها أرقام مشكوك في دقّتها، لأنها لا تلحظ الناخبين الذي قالوا نعم وهم من أحزاب المعارضة الثلاثة (الشعب الجمهوري والحركة القومية والسلام والديموقراطية).