تميّز خطاب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي، أمس، بشموله مختلف جوانب السياسة الإيرانية، ربطاً بمرحلة ما بعد الاتفاق النووي. انطلق من كيفية تنفيذ «برنامج العمل المشترك» وصولاً إلى السياسة الإيرانية في المنطقة. وفيما أكد خامنئي وجوب رفع الحظر الغربي عن إيران، لا تعليقه، فقد حذر من أن استمراره سيؤدي إلى تقويض الاتفاق النووي، الأمر الذي رد عليه البيت الأبيض موضحاً أن «إيران لن تحظى بتخفيف العقوبات، إلا إذا التزمت الاتفاق النووي».


خامنئي أيضاً أشار، لدى استقباله رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة، الذي اختتم أعمال دورته الثامنة عشرة على مدى يومين، إلى أن «من جملة سياسات أميركا في المنطقة، القضاء على قوات المقاومة، بشكل كامل، والهيمنة الكاملة على سوريا والعراق». وأوضح أنهم «يتوقعون أن تدخل إيران هذا الإطار، لكن مثل هذا الأمر لن يحدث أبداً».
واستعرض المرشد الأعلى النقاط المهمة لبرنامج العمل المشترك الشامل والظروف التي تعقبه، وقال إن «تعليق الحظر فقط يتعارض، بشكل كامل، مع دواعي خوض إيران للمفاوضات، لأن الهدف من المفاوضات هو رفع الحظر تماماً». وأضاف أنه «إذا ما قبلنا في المفاوضات النووية بإعطاء بعض الامتيازات، فإن ذلك كان من أجل رفع الحظر عن البلاد، وإلا فما الداعي من حضورنا في المفاوضات»، موضحاً أنه «كان بإمكاننا مواصلة عملنا ورفع عدد أجهزة الطرد المركزي، في فترة قصيرة، من 19 ألف جهاز إلى 50 أو 60 ألف جهاز للطرد المركزي، ونواصل التخصيب بمستوى 20 في المئة، ونرفع وتيرة نشاطنا البحثي والتنموي».
بناءً عليه، شدد خامنئي على أنه «إذا كان من المقرّر أن لا يجري رفع الحظر، فلا يمكن إذاً التعاطي في هذا المجال، ومن هنا يجب أن بتّ هذه القضية». وتوجه، على إثرها، إلى المسؤولين قائلاً: «لا تقولوا إن تصريحات الأميركيين تطلق لإقناع منافسيهم في الداخل». ورغم أنه عقّب على ما تقدم، بالقول: «طبعاً، نؤمن بأن الصراع الداخلي في أميركا أمر حقيقي وأنهم يختلفون في ما بينهم ونحن نعرف سبب ذلك»، إلا أنه رأى أن «ما يُعلَن رسمياً يستلزم الرد، وإذا لم نردّ فإن ذلك يعني أننا نقر بإعلان الطرف المقابل».


توقع لاريجاني أن تكون
مناقشة المشرّعين الإيرانيين للاتفاق أكثر حدة من الكونغرس

في هذا الإطار، أشار المرشد الأعلى إلى تصريحات المسؤولين الأميركيين المختلفة عن تعليق الحظر. وقال: «كنا نعتقد برفع الحظر، بشكل فوري، ولكن الإخوان هنا فسروا القضية، بشكل ما، ونحن بدورنا لا نعارض ذلك، ولكن على كل حال يجب أن يجري رفع الحظر، فإذا كان من المقرّر أن يجري تعليق الحظر، فإننا بدورنا سنتخذ الإجراءات التي يجب القيام بها على مستوى التعليق، لا على مستوى إجراء أساسي». وأوضح خامنئي أن «الطرف المقابل يقول إن رفع بعض أنواع الحظر ليس بيد الإدارة الأميركية، ونحن نقول ارفعوا الحظر الذي بيدكم وبيد الدول الأوروبية».
وتحدث عن جانب آخر من التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين، استناداً إلى أنها «تصريحات خارجة تماماً عن إطار الاتفاق النووي». وأشار إلى أنّ «مسؤولي الإدارة الأميركية يتحدثون عن إيران، على شاكلة البريطانيين في القرن التاسع عشر، وكأنهم متأخرون عن ركب العالم قرنين من الزمن، في الوقت الذي تغيّرت فيه الدنيا، ولم تعد القوى الكبرى تملك قدرة وجرأة القيام بتلك الأعمال». وأضاف: «في المقابل، هي تواجه الجمهورية الإسلامية، التي تتمتع بقدراتها المعروفة وغير المعروفة، التي ستتكشف حين العمل، فإيران ليست مثل البلد الفلاني المتخلّف حتى يجري التعاطي معها بالشكل الذي يريدون».
ولم يغفل خامنئي التعليق على ما يصرّح به الأميركيون بـ«أننا نتوقع من المسؤولين والحكومة الإيرانية أن تقوم بعمل مختلف». رداً على ذلك، أشار إلى أن «العمل المختلف من وجهة نظرهم، هو المختلف مع سجل الجمهورية الإسلامية ومنهجها، وذلك بأن يجري تجاوز القيم الإسلامية والتخلي عن التزام الأحكام الاسلامية». لذا أكد أن «مثل هذا الأمر لن يتحقق أبداً، فلا الحكومة ولا البرلمان ولا المسؤولون يقومون بهذا الأمر». وأضاف: «من يرد أن يفعل ذلك، فإن الشعب والجمهورية الإسلامية لن يقبلاه منه».
من هنا، انطلق خامنئي إلى تناول السياسة الأميركية في المنطقة، فلفت إلى أن من جملة ما تقوم به الولايات المتحدة هو «القضاء على قوات المقاومة، بشكل كامل، والهيمنة الكاملة على سوريا والعراق»، وفيما ذكر أنهم «يتوقعون أن تدخل إيران هذا الإطار»، شدّد على أن «مثل هذا الأمر لن يحدث أبداً».
وخاطب خامنئي المسؤولين في الحكومة وسائر الأجهزة، قائلاً إن عليهم أن «لا يسمحوا لأميركا بأن تنتهز الفرصة في الداخل، أبداً، كما ينبغي أن نسعى إلى سحب هذه الفرص من يدها في الخارج، لأنهم كلما اقتربوا من نيل هذه الفرص سيجلبون المزيد من المحن والتخلف للشعوب».
في سياق آخر، تطرّق المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية إلى حصر التفاوض، بشكل كامل، مع الجانب الأميركي، على الموضوع النووي، وأوضح أن السبب وراء ذلك «توجهات أميركا التي تقف في الطرف النقيض مع إيران».
كذلك، أضاف: «أعتقد وقد أبلغت رئيس الجمهورية أيضاً بأنه ليس من المصلحة أن نتجاهل مجلس الشورى في قضية دراسة برنامج العمل المشترك الشامل»، موضحاً أن «الأبعاد الحقوقية والقانونية لهذا الموضوع، يجب أن يدرسها خبراء القانون، لكن من وجهة النظر العامة». في الوقت ذاته قال: «لا أقدم رؤية معيّنة إلى المجلس في ما يتعلق كيفية دراسة الخطة ورفضها أو التصديق عليها»، معتبراً أن «ممثلي الشعب هم من يجب أن يتخذوا القرار بهذا الشأن».
وأشار إلى المحاولات الواسعة والدعاية المكثفة للغرب، موضحاً أنه «في أدبيات نظام الهيمنة نجد أن مفاهيم نظير الإرهاب وحقوق الإنسان لها معانٍ خاصة»، ومضيفاً أنه «في هذه الأدبيات لا تعدّ الهجمات المستمرة على مدى ستة أشهر ضد الشعب اليمني وقتل الأبرياء من أبناء غزة إرهاباً، كما لا يعد قمع الشعب البحريني بسبب مطالبه بامتلاك حق التصويت، انتهاكاً لحقوق الإنسان». وقال خامنئي: «في أدبيات نظام الهيمنة يعد الدفاع المشروع للمقاومة في لبنان وفلسطين إرهاباً، فيما لا تعد إجراءات الدول المستبدة القريبة في علاقتها من أميركا في المنطقة انتهاكاً لحقوق الإنسان». فضلاً عن ذلك، أشار إلى أنه «في هذه الأدبيات لا يعدّ إرهاباً اغتيال العلماء النوويين، وهو ما اعترف به الصهاينة صراحة، تقريباً، وأقرّت بعض الدول الأوروبية بدورها في دعم هذه الاغتيالات».
من جهته، أصدر مجلس خبراء القيادة بياناً ختامياً، بعد انتهاء أعمال دورته، أكد فيه أهمية الدور الرقابي لمجلس صيانة الدستور في تأييد أهلية المرشحين للانتخابات. ودعا الشعب الإيراني إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات المقبلة لمجلس خبراء القيادة ومجلس الشورى، «لصنع ملحمة جديدة في تاريخ الثورة الإسلامية».
وأكد البيان الوفاق والانسجام بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، مندداً «بمؤامرات القوى الاستكبارية وعملائها لتقسيم البلدان الإسلامية، وخصوصاً النظام السعودي في عدوانه على الشعب اليمني الأعزل والمظلوم، ومساعدة المجرمين التكفيريين في قتل المسلمين وزعزعة الأمن في فلسطين والعراق وسوريا والبحرين واليمن».
في غضون ذلك، توقع رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، أن تكون مناقشة المشرّعين الإيرانيين للاتفاق النووي، أكثر حدة، على الأرجح، من مناقشة الكونغرس. وقال لاريجاني، للصحافيين في نيويورك، إن مناقشة البرلمان الإيراني للاتفاق والتصويت عليه ضرورة دستورية. وأضاف: «أعتقد أن الدراما في بلدي ستكون أكبر من الموجود في بلدكم. أنا واثق من شيء واحد، هو أنه ستكون هناك مناقشات حامية وجدل في البرلمان الإيراني أيضاً، لأن هناك من يعارضون الاتفاق ولهم آراء مختلفة».
في سياق متصل، أكد نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني العميد حسين سلامي، أن جهاز الحرس يرصد سلوك أميركا، يومياً، ويتحيّن الفرصة لاستهداف مصالحها السياسة والاقتصادية، إذا ما ارتكبت أي حماقة، مهدداً بقطع اليد التي تلجأ إلى الخيار العسكري ضد إيران.
وقال العميد حسين سلامي، في كلمة أمام مراسم التئام 50 ألف عنصر من أفواج التعبئة الإيرانية في طهران، في إطار مناورات «اقتدار ثأر الله» التي انطلقت الأربعاء، إن «الشعب الإيراني تمكن عبر الصبر والصمود والاقتداء بثقافة عاشوراء أن يفشل استراتيجية العدو المتمثلة بالحظر والتهديد بالخيار العسكري»، موضحاً أن «العدو الذي دأب على إطلاق التهديدات لجأ إلى المسار الدبلوماسي مرغماً».
(الأخبار، رويترز)