فجأةً توترت العلاقات بين الصين واليابان، وعادت لهجة التهديد والوعيد، بينما القلق يهيمن على الأوساط الصناعية والتجارية في كلا البلدين، نظراً إلى ترابط المصالح وتشابكها بطريقة وثيقة ومعمّقة. وقد أثبت حادث «صيد بسيط» أن ما خطّه التاريخ من فصول سياسية بين عملاقي آسيا أقوى بكثير من المصالح الاقتصادية والتكامل الصناعي. ويتخوف مراقبون من أن ينعكس هذا التوتر على ملفات أخرى، مثل المفاوضات مع كوريا الشمالية، أو المواقف من العقوبات على إيران والمتعلقة بملفها النووي، إضافةً إلى المفاوضات مع منظمة التجارة العالمية، في ما يتعلق بتسعير اليوان الصيني وتأثيره في موازين التبادل واحتياطات النقد الدولية


بسّام الطيارة
الإفراج المتبادل عن القبطان الصيني في اليابان وثلاثة يابانيين في الصين، لم يخفّف حدة التوتّر بين طوكيو وبكين، بل على العكس، إذ رافقه إعلان بكين وقف المشاورات على المستوى العالي بين البلدين، ما يشير إلى أن الأزمة بين الجارين العملاقين لا تزال في بداية مرحلة توتر، قد تعلو حدتها وقد تنخفض بحسب استراتيجيات كل منهما.
وكانت شرارة إطلاق هذا النزاع قد بدأت في بحر الصين الشرقي، في المياه القريبة من جزر متنازع عليها بين عدة دول، بينها الصين، التي تطلق عليها اسم «دياويو»، واليابان التي تشير إليها بـ«سِنكاكو». الشرارة كانت مع إلقاء السلطات اليابانية القبض على قبطان سفينة صيد أسماك بعد تصادم جرى مع سفن خفر السواحل اليابانية. ومباشرةً طلبت الصين من اليابان عدم التعرض للسفن الصينية التي تكون في المنطقة بحجة أنها «مناطق صيد تقليدية»، حسب تصريح الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية جيانغ يوو، التي هددت بعواقب. التهديد لم يقتصر على الكلام، بل أرسلت بكين سفينتين حربيتين لحماية قارب الصيد.
وكان لهذا الحادث مفعول مباشر في تأجيج «العواطف الدفينة المناوئة لليابان» في الصين، التي شهدت تظاهرات حول السفارة اليابانية في بكين والقنصلية العامة في شانغهاي. وحمل بعض المتظاهرين لافتات كتبت عليها شعارات مناهضة اعتمدت كثيراً على «ذكريات أليمة» يحملها الصينيون عن اليابانيين، منها التذكير بغزو منشوريا عام ١٩٣١ والمجازر التي حصلت إبان الاحتلال. ويقول المراقبون إن مجرد حصول هذه التظاهرات في الصين في «أحياء السفارات المحصنة أمنياً» يشير إلى «رغبة سياسية عليا» في إثارة الموضوع واستغلال هذه الحادثة لكسب أوراق جديدة في المنافسة الصامتة بين العملاقين على النفوذ في جنوب آسيا.
وللبرهان على هذه الدوافع السياسية، استُدعي السفير الياباني في بكين «ست مرات» في أقل من أسبوع إلى وزارة الخارجية لإبلاغة ضرورة الإفراج عن القبطان، «وأن اليابان لا تستطيع تطبيق قوانين وطنية في مناطق غير خاضعة لها».
ومن المتوقع أن ترتفع حدة التصريحات مع وصول معلومات عن استعدادات لدى الجانبين لـ«البدء بالحفر والتنقيب عن النفط والغاز» في المناطق المتنازع عليها، بعدما ألغت بكين جولة مفاوضات للبحث في تنقيب مشترك عن الغاز.
وحسب المصادر اليابانية، فإن الصين تحاول قلب «الوضع القائم» منذ أن استعادت اليابان من الولايات المتحدة عام ١٩٧٢ سيادتها على هذه الجزر المتنازع عليها، مع أنها وقّعت عام ١٩٩٠ اتفاق صيد يشير بطريقة ما إلى أن هذه الجزر تحت «سيطرة إدارية يابانية»، وهو ما تحاول اليوم تغييره. ويتفق الجميع على أن الصين قبل عشرين سنة كانت غير الصين اليوم. ويشير الخبير جان بيار كابستان، مؤلف كتاب «السياسة الدولية للصين»، إلى أن بكين تحاول عبر توتير الوضع فرض «نفوذ بحري في هذه الممرات البحرية المهمة لتجارتها العالمية»، وأن حقول الغاز والنفط ليست الهدف الأهم. وبالفعل فإن هذه الجزر، التي تمثّل أرخبيلاً مستطيلاً تنتشر أضلاعه في المياه التي تفرق بين السواحل الصينية والمحيطين الهندي والهادئ، تمنع حرية الحركة للأساطيل الصينية في حال الضرورة في أعالي البحار، وهو ما يصفه البعض بـ«استراتيجية بحرية جديدة» تسعى عبرها الصين إلى الخروج من الحصار الجغرافي الذي فرضته الطبيعة عليها، والذي يجبرها إما على المرور في«مضيق مالاكا»، أو بين الجزر اليابانية، وبالتالي هي تسعى إلى فرض «حق مرور بريء»، حسب التعريف البحري، على اليابان في مناطقها الاقتصادية الحصرية حول جزر أوكيناوا، حيث يوجد الأسطول السابع الأميركي.
ويرى المراقبون أن ردّ فعل اليابان «الحاسم والشديد» جاء نتيجة إدراك السلطات اليابانية أن هناك رغبة لدى الصين في تحسين مواقعها على الأرض، إذ إن السفينة التي احتُجز قبطانها لم تكن في مجال الـ «٥٠ ميلاً بحرياً» المحدّدة، حسب اتفاق الصيد، بل داخل الـ «١٢ ميلاًَ للسيادة المعلنة لليابانيّين على الجزر»، إضافةً إلى وجود عدد متزايد من سفن الصيد الصينية في هذه المناطق.
ولا يخفى على أحد أن الصين تسعى إلى بناء «قوة بحرية عالمية»، وهي بدأت ببناء أول حاملة طائرات يُنتظر أن تطلقها عام ٢٠١٤. وترى أن منافستها الأولى، قبل الأميركيين، هي اليابان، التي تمتلك أسطولاً «يقال عنه دفاعي»، إلّا أنه مجهز تجهيزاً متقدماً ويحوي نظاماً صاروخياً دفاعياً موجّهاً يمكنه أن يجمّد أي تحرك صيني في المنطقة. كما تسعى الصين إلى أن تكون موجودة في المحيط الهندي لحماية خطوط مواصلات تجارتها وخطوط تموينها بالنفط والغاز، وهو ما يقلق أيضاً الهند، المنافس الديموغرافي والصناعي والاقتصادي المقبل للصين. وهي أيضاً تسعى إلى مد نفوذها نحو جنوب المحيط الهندي والاقتراب من الأرخبيل الإندونيسي، حيث توجد جاليات صينية كبرى تصل حتى أوستراليا.
وقدمت بكين عدداً من الخرائط لتثبت حقوقها في عدد متزايد من الجزر القريبة من ماليزيا وسنغافورة، ولتثبيت قواعدها في بعض الجزر المتنازع عليها والبعيدة جداً عن شواطئها، مثل أرخبيل «ميشياف» القريب من الفيليبين.
وكل هذه القرائن تدل على أن بكين قررت أن تبدأ منافسة مع القوى الكبرى، التي تمثّلها في المنطقة الأساطيل الأميركية، والبدء بخلخلة شبكة التحالفات الإقليمية لواشنطن، معتمدةً في ذلك على الضغوط التجارية والعسكرية في آن واحد، مع وضع الأهداف المشروعة في واجهة الخلافات.



نزاع اقتصادي

يأتي النزاع الأخير بين بكين وطوكيو في إطار نزاعات متراكمة بين العملاق الجديد والدول الكبرى عموماً، والمنافس الأول في المنطقة اليابان خصوصاً. فاقتصاد اليابان بات مرتبطاً ارتباطاً كبيراً ومتزايداً بآلية النمو الصينية، وباتت بكين أكبر شريك تجاري لها. وفي المقابل فإن الصين تصدّر منذ سنوات الكثير من المواد الخام الضرورية للصناعات المتقدمة، ومنها المعادن النادرة التي تحتل الصين موقع المورّد الأول لها في العالم (٩٧ في المئة)، وتدخل هذه المواد في الصناعات الإلكترونية.
ورغم أن بكين كانت قد أعلنت قبل أسابيع قرار خفض الكميات المصدّرة إلى اليابان بنحو ٢٨ في المئة (لتصل إلى ٨٠٠٠ طن)، فإنّ بعض الخبراء يضعون هذا الإعلان ضمن «باقة الضغوط المتصاعدة» في المنافسة مع طوكيو، التي بدأت البحث عن مصادر أخرى. وعلمت «الأخبار» أن فريقاً يابانياً يبحث في إمكان التنقيب عن هذه المعادن في فيتنام للتخلص من حصرية الاستيراد من الصين، كما خُصّصت ميزانية لإطلاق مشروع إعادة تدوير المركّبات الإلكترونية لخفض الاعتماد على استيراد المعادن الداخلة في تصنيعها.