يبدو أنّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مطمئن إلى شعبيته، بعدما أظهر استطلاع للرأي أنّ طروحاته المتطرفة لمعالجة الجنوح في الضواحي تحظى بشعبية كبيرة بين الناخبين، وخصوصاً المنتمين إلى اليمين


باريس ــ بسّام الطيارة
لا يستطيع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي زيارة الضواحي إلا على غفلة أو في الليل، من دون إعلان مسبق، كما حصل في ٢٥ حزيران الماضي. رغم هذا، فإنّ أحد مواطني الضاحية «شتم الرئيس» وأُوقف. سلفستر ستالون أو «رامبو» لم يحتج إلى حراسة، وأعلن مسبقاً رغبته في زيارة ضاحية «سين سان دوني» الشهيرة لإطلاق فيلمه الجديد «إكسباندابلز». وباتت زيارة الضواحي عادة لدى الممثلين والمشاهير لما فيها من لمسات «صحيحة سياسياً».
«الضواحي وساركوزي» يمكن أن يكون عنواناً لفيلم طويل في المسار السياسي للرئيس الفرنسي، وخصوصاً منذ توليه شؤون الأمن عام ٢٠٠٢ عندما عين وزيراً للداخلية. مثل قصة القطة والفأر، كر وفر إعلامي يلاحق هذه العلاقة المتوترة بين «الشرطي الرقم واحد»، وهو لقب ساركوزي اليوم، وبين «الشباب»، أي مجموعات العاطلين من العمل والمنغمسين في عالم الجنوح. أعلن قاطن الإليزيه من أسبوع ونيّف «حرباً وطنية على الجنوح»، وأطلق باقة مشاريع صدمت الرأي العام بتطرفها وذهابها بعيداً في ما وصفه الفيلسوف برنار هنري ليفي بأنه «تأجيج لحرب أهلية»، ووضعه في مقالة حملت عنوان «خطايا ساركوزي»، وذهبت كلها في سلسلة تسليط الضوء على «دور الهجرة والمهاجرين في حالة انعدام الأمن» المتزايدة التي تعيشها فرنسا منذ سنوات، وهو ما لم يتردد ساركوزي بالتشديد عليه بالإشارة إلى «إفلاس سياسة استقبال المهاجرين».
بالطبع تصاعدت موجة الاستنكار لطروحات الرئيس. ووصفها البعض بأنها «استفزازية»، وآخرون تحدثوا عمّا يضمره الرئيس من «استعمال سياسي لمسألة الهجرة والهوية الوطنية» لكسب أصوات اليمين المتطرف، إضافة إلى التشديد على أنّ «كل ما يطرحه اليمين الحاكم هو مخالف للدستور وللقوانين الأوروبية». لكن ساركوزي انتقل لقضاء عطلته وهو يبدو مطمئناً. وفسّر البعض هذا بأنّه «عمى سياسي» وأنّه بات مندفعاً وراء رغباته الدفينة لا يرى إلا موعد الانتخابات الرئاسية بعد عشرين شهراً.
الجديد والواقع هو أنّ ساركوزي «حقاً مطمئن»، لأنّه كما يبدو اطّلع على نتائج استفتاءات عدّة تشير إلى أنّ «نسبة كبيرة من الفرنسيين توافقه على هذا التوجه». وجاءت نتيجة الاستفتاء الأخير الذي نشرته صحيفة «فيغارو» أمس ليزيد من طمأنة الرئيس. وقد أذهلت النتائج معظم المراقبين، إذ إنّ أكثرية المُستفتين، مهما كانت توجهاتهم السياسية مع نسبة عالية جداً لـ«أهل اليمين»، توافق على الطروحات.
فرداً على سؤال عن «نزع الجنسية عن ذوي الأصول المهاجرة في حال فرضهم الختان على النساء أو تعدد الزوجات» وافق ٨٠ في المئة ينقسمون إلى ٥٢ في المئة «يوافقون بقوة»، بينما ٢٨ في المئة «يوافقون عموماً». بينما لم يحظ «المعارضون بقوة» على أكثر من ٨ في المئة، بينما «المعارضون من حيث المبدأ» كانوا بحدود ١٢ في المئة. أما نزع الجنسية «عن الجانحين من أصل مهاجر» فنال ٧٠ في المئة. ونال طرد الغجر وإزالة مخيماتهم على ٧٩ في المئة، بينما وافق نحو ٦٧ في المئة على مسألة «زرع ٦٠ ألف كاميرا مراقبة في الشوارع»، وحاز طرح اليمين مبدأ «تغريم وسجن سنتين أهالي القاصرين» في حال مخالفتهم القوانين ٥٥ في المئة فقط.
رغم العطلة الصيفية، لم يمر نشر هذا الاستفتاء مرور الكرام، وستسعى استفتاءات جديدة إلى تعزيز هذه النتائج أو قلبها، إلا أنّ من المؤكد أنّ ساركوزي استطاع أن يقلب طاولة الجدل الذي دار حول الأمن والجريمة لمصلحته وإبراز أنّ فرنسا باتت «يمينية النزعة» إن لم نقل «محافظة جديدة». إلا أنّ خطرين يمكن أن يعيدا خلط الأمور ضد الرئيس عند الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٢. أولاً أن يتنبه الفرنسيون إلى أنّ ساركوزي يؤدي دور «الشرطي الرقم واحد» منذ عقد تقريباً، وحلّ رئيساً للجمهورية وتحدث كثيراً ووضع خططاً عديدة ظلت عديمة الجدوى لم ترفع البؤس عن الضواحي، وأعلن مراراً الحرب على «اللا أمن» من دون أي نتيجة. أما الخطر الثاني، فهو أن يفضل الناخب الفرنسي «الأصل على التقليد»، بحيث يتوجه نحو الجبهة الوطنية ويصوت لماري لوبن، ما يمكن أن يقسم أصوات اليمين في الدورة الأولى بما يصعب إعادة اللحمة في الدورة الثانية كما حصل في المرتين اللتين انتخب بهما فرانسوا ميتران الاشتراكي رئيساً.