بول الأشقر

تمثّل عملية انتقال السلطة من ألفارو أوريبي إلى خوان مانويل سانتوس اليوم في بوغوتا حدثاً سياسياً من الطراز الأول؛ بالتأكيد لأنّ كولومبيا ثاني دولة بحجم سكانها في أميركا الجنوبية. وأيضاً لأنّها تجري على خلفية قطع العلاقات الدبلوماسية بين فنزويلا وكولومبيا، وأخيراً وليس آخراً لأنّ ألفارو أوريبي، الذي تنتهي ولايته الثانية اليوم، مثّل حالة عقائدية عملت بالتنسيق مع الرئيس الأميركي جورج بوش بعكس اتجاه باقي رؤساء أميركا اللاتينية.
بوجود 13 رئيساً من أميركا اللاتينية وولي العهد الإسباني، يتسلم خوان مانويل سانتوس اليوم مقاليد الرئاسة بعد ثماني سنوات من حكم أوريبي. الحدث مهم في كولومبيا لأنّ أوريبي يمثّل حالة نادرة في تاريخ البلاد. فهو أول رئيس عدّل الدستور ليجدد وهو يخرج من السلطة بشعبية عالية، وهو نجح في صنع خلفه، وهو مصرّ على الاستمرار في المشهد السياسي. وإذا كان أوريبي يخرج من السلطة محاطاً بعطف مواطنيه ومكرساً كرجل حقق فوزاً استراتيجياً على الفارك وكرجل خلق علاقة جيدة مع شعبه، فليس من المؤكد قدرة صورته كرجل دولة على الاستمرار مع ابتعاده عن السلطة وبعد أن يتحرر القضاء، المنكبّ على التحقيق بالعلاقات بين السياسة والباراميليتاريس التي ورطت حلفاء أوريبي وحاشيته، من الضغوط التي كان يمارسها أوريبي عليه.
ومن المرجح أنّ أوريبي وافق على المشاركة في لجنة التحقيق التي ألفتها الأمم المتحدة بعد الاعتداء على أسطول الحرية المتوجه إلى غزة لتثبيت صورته المرجعية ولوضع مسافة، ولو مؤقتة، لعلاقاته المتوترة مع القضاء. يبقى أنّ سيرة الرجل لا تؤهله لدوره الجديد، إذ إنّ ضباطاً إسرائيليين متقاعدين هم أول من درب الباراميليتاريس، وكذلك شاركت إسرائيل بالهجوم على معسكر الفارك على الأراضي الإكوادورية.
وما ينسب إلى ألفارو أوريبي في هذا المجال يمكن نسبه أيضاً إلى خوان مانويل سانتوس، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع خلال الهجوم وعملية الإفراج أيضاً. وهذا ما جعل الإكوادور وفنزويلا تحذران خلال الحملة الانتخابية من اختياره رئيساً، وهو المطلوب تسليمه إلى القضاء الإكوادوري بسبب وفاة مواطنة من هذا البلد خلال الهجوم على معسكر الفارك. إلا أنّ الحقبة التي بدأت مع انتخابه غيّرت من صورته، إذ إنّه طمح إلى أخذ أكبر مساحة ممكنة من أوريبي وضمان أوسع هامش تحرك لولايته المبتدئة. والفارق بين أوريبي «العقائدي» وسانتوس «البراغماتي» أخذ يبرز جلّياً، ومن المرجح أن يزداد مع تسلمه السلطة اليوم.
على الصعيد الداخلي، يعمل سانتوس على تأليف حكومة وحدة وطنية، ولم يتردد في دعوة عدد من معارضي أوريبي للمشاركة، كذلك تقرّب من الهيئات القضائية ووعدها باحترام استقلاليتها. وكلها خطوات لا تريح أوريبي الذي كان يريد أن تستمر «الأوريبية» بإشرافه، ولو عن بعد، وألا يرفع الضغط عن القضاء، وخصوصاً بعد خروجه من السلطة.
على الصعيد الخارجي، عيّن سانتوس السفيرة السابقة في فنزويلا آنا ماريا هوليغين وزيرة خارجية. ووجد التعيين «انفتاحاً» على كاراكاس، وقد اجتمع معها وزير خارجية فنزويلا نيكولاس مادورو.
وفكّر الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز بحضور حفل تسلم سانتوس، الذي سيشارك فيه رئيس الإكوادور رافائيل كوريا، ما أدى إلى تململ لدى أوريبي وإلى اتهام فنزويلا أمام منظمة الدول الأميركية بإيواء الفارك، ما أدى إلى القطيعة الدبلوماسية. والغاية من الخطة الأوريبية نسف التحاور الناشئ بين تشافيز وسانتوس، حسب تقويم عدد من رؤساء المنطقة.
أمس، قدم ألفارو أوريبي عشاءً تكريمياً لضيوف سانتوس، واليوم يخرج من المسرح حتى لو بقي ظله يلاحق خلفه.