هواجس من ارتفاع أسعار القمح ونقص المخزون


باريس ــ بسّام الطيارة
تشهد روسيا موجة حر استثنائية، ما أدى إلى جفاف قاتل ساهم بإشعال حرائق في سهول روسيا الوسطى، عجزت السلطات حتى الآن عن وقف مده الزاحف غرباً نحو المناطق الصناعية، حيث تنتشر تجمعات نووية يتخوف الجميع من أن تسبب تلوثاً شبيهاً بتلوث تشيرنوبيل في حال احتراقها، وشرقاً نحو السهول الشاسعة التي تشكل«مخزن حنطة» روسيا، ثالث مصدر للقمح في العالم.
وبدا أن الخوف من «الجوع» أقوى بكثير من الخوف من التلوث النووي. إذ إن هذه الحرائق مقرونة بالجفاف أثرت على نسبة المحاصيل وتراجع الإنتاج، ليس فقط في روسيا، ولكن أيضاً في كازاخستان وأوكرانيا ومنطقة البحر الأسود.
وفاقَم من الاضطراب السائد الهبوط المتوقّع في إنتاج كندا بوصفها مُنتجاً رئيسياً ومُصدّراً كبيراً للقمح إلى السوق العالمية.
ودفعت هذه العوامل المجتمعة بالأسعار إلى مستويات لم تعرفها السوق (زيادة بنسبة ٦٤ في المئة) منذ أزمة غذاء عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨.


بلدان عديدة إلى جانب روسيا شهدت تراجعاً في المحاصيل

وعلى أثر هذه التطورات، راجعت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعاتها للمنتج العالمي هذه السنة من ٦٧٦ مليون طن إلى ٦٥١ مليون طن، مع إطلاق موجة «تطمينات» بأن التوازن في السوق مؤمن، وأن احتياطات مخزون الحبوب العالمية كافية لسد النقص في المحاصيل الحالية.
إذاً لا أزمة زراعية عالمية، رغم أن موسكو كانت قد أعلنت قبل أسبوع «حظر صادرات الحبوب وتعليق الاتفاقات الموقعة مع بعض الدول المستوردة للقمح الروسي». وأوضح كين آش، مدير التجارة والزراعة في المنظمة، التي تتخذ من باريس مركزاً لها، أن «من السابق لأوانه عقد مقارنات مع ارتفاع الأسعار قبل سنتين». واستطرد بأن التوتر الحالي محصور في أسعار القمح، بينما إبان أزمة ٢٠٠٧- ٢٠٠٨ طال ارتفاع الأسعار مجمل السلع الغذائية الأساسية، وشدد مرة أخرى على أن «المنظمة العالمية تعارض فرض قيود على الصادرات».
إلا أن عدداً من الخبراء يرى أن الأزمة لم تصل بعد إلى قمتها المتوقعة بعد فترة «حصاد القمح في الدول الأوروبية»، إذ إن بريطانيا وألمانيا وهنغاريا وبولندا وهي من الدول المنتجة للقمح تعاني أيضاً من الجفاف، وإن غابت الحرائق عن الصورة، ما يعني تراجعاً في المحاصيل.
أما في أوروبا الجنوبية، إيطاليا ورومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا، فإن «الرطوبة وموجات من المطر خارج موسم الأمطار» تسببت بتأخير الحصاد، ما يمكن أن ينعكس أيضاً تراجعاً في المحصول. ويتوقع الخبراء أن يتراجع محصول الاتحاد الأوروبي نحو ٥ ملايين طن، إضافة إلى فقدان ٢٠ مليون طن في روسيا و١٢ مليون طن في شرق أوروبا.
أما بالنسبة إلى كندا، فإن النقص سوف يكون بحدود ٥ ملايين طن، أي بحدود ربع إنتاجها. فقط إنتاج الصين (زيادة ٣ ملايين طن) والولايات المتحدة (زيادة ٢٠ مليون طن) يظهر زيادة بسبب عوامل طبيعية مناسبة لا يمنع الخلل في الميزان العام.
أما في منطقة الشرق الأوسط، فإن إيران سوف يزيد إنتاجها بنسبة ٢٠ في المئة (٢،٥ مليون طن) بينما تتراجع نسبة محصول سوريا بسبب فيروس (الصدأ الأصفر) الذي أصاب سهولها قبل الحصاد (تراجع نصف مليون طن)، بينما يتوقع زيادة إنتاج المغرب بنسبة ٢،٤ مليون طن. وسوف تحافظ دول مصدرة للقمح مثل فرنسا والأرجنتين وأفريقيا الجنوبية على نسبة محصولها السابق من دون زيادة، ما يشير إلى تراجع عام في محصول هذه السنة قد يقود ليس فقط إلى زيادة التوتر على أسعار القمح بل إلى امتناع بعض الدول عن استعمال مخزوناتها الاحتياطية بعكس تطمينات منظمة «الفاو».
ويجب الالتفات إلى «صراحة» رئيس وزراء روسيا، فلاديمير بوتين، الذي قال«لا جدوى من المراهنة على رفع الحظر على التصدير سريعاً»، ما يعني أن الأزمة مرشحة للتفاعل في الأشهر المقبلة، بدءاً من أيلول حين يبدأ تسليم المحصول لدول الجنوب الفقيرة.
إلا أن الحديث عن كميات المحاصيل وتراجع الإنتاج، وبالتالي تراجع العرض في السوق العالمية، يفتح المجال أمام ملفين أهم بكثير من مسألة «أكل اليوم وسد جوع سكان الجنوب».

الخبراء يرون أن الأزمة لم تصل بعد إلى قمتها المتوقعة بعد

الملف الأول يتعلق بـ«بذور الموسم المقبل»، وحتى زمن غير بعيد كانت البذور غائبة عن سوق التبادل التجاري وكان المزارع يكتفي بوضع كمية من حصاد الموسم كبذور للموسم المقبل، إلا أنه بعد إدخال تقنيات «ميكانيك الجنيات» بات الأمر غير ممكن، إذ تم تغيير الجنيات بشكل يمنع المزارع من استعمال بذور محصوله «الذي بات عاقراً»، وبات المزارع مرتبطاً بمورد البذور وبأسعارها في السوق العالمية، التي هي مرتبطة بأسعار الحنطة التي زادت بنسبة نحو ٦٠ في المئة، أي يوجد ارتهان لمواسم الحصاد المقبلة قبل مواسم الزرع.
الملف الثاني هو ملف الأعلاف في الدول الغنية، إذ إن ما تجهله دول الجنوب الفقير هو أن دول الشمال الغني تقدم نسبة كبيرة من محصول الحبوب ومنها القمح كأعلاف للحيوانات، وخصوصاً بعد تفشي مرض جنون البقر والتشديد على ضرورة علف الحيوانات بأعلاف طبيعية (أعشاب زيتية حنطة وذرة وشعير)، بالتالي فإن الدول المصدرة للحنطة تضع قيوداً على تصدير الحنطة حفاظاً على«الأمن الغذائي لمواشيها» لعدم تهديد نسبة إنتاجها من اللحوم من أجل«تأمين الأمن الغذائي لسكانها». وفي ظل تراجع المحاصيل وارتفاع الأسعار فمن الطبيعي أن ينعكس هذا الأمر على تراجع تصدير الحنطة من جهة، وعلى ارتفاع أسعار اللحوم من جهة أخرى، ما يمكن أن يقود إلى أزمة غذائية تطال دول الجنوب الفقير التي تعتمد على استيراد الحنطة واللحوم والبذور.


علف حيواني... إنساني