إنها تركيا، حيث يختفي خط التماس الفاصل بين السياسة واليوميات الأكثر حميميّة للمواطنين كأفراحهم وأتراحهم، حين يتعلق الأمر بملف تغلي به البلاد، مثل استفتاء 12 أيلول، لقول نعم أو لا للتعديلات الدستورية الحكومية


أرنست خوري
التعديلات الدستورية الحكومية، التي سيقول الشعب التركي كلمته بشأنها في 12 أيلول المقبل، مهمّة للأتراك الذين يرفضونها كما لمَن يؤيدونها، لدرجة أنّ طقوساً حياتية كاملة لا دخل للسياسة بها عادةً، باتت مرتبطة بمرحلة الإعداد لهذا الاستفتاء: فعند معارضي التعديلات الدستورية، ممنوع استعمال كلمة نعم حتى عندما يقف العروسان أمام رئيس البلدية، ويسألهما إن كانا يريدان الارتباط بعضهما ببعض؛ بات البلد منقسماً عمودياً بين نعم الموالاة ولا المعارضة. وكأنّ أيّ عبارة تتضمن كلمة نعم باتت تعني أنّ صاحبها مؤيد للاستفتاء، وأيّ كلمة لا، تجزم برفض التعديلات.
وعلى هامش تداخل السياسة بالأعراس، يتلقّى حزب معارضة الحكومة والتعديلات، «الشعب الجمهوري»، ضربات موجعة تتجسّد باستقالة وانشقاق أسماء بارزة من قيادته لأنهم يؤيّدون التعديلات الدستورية.
وقبل يومين، دشّن الزعيم المستقيل من رئاسة «الشعب الجمهوري»، دينيز بايكال، أداة نضالية جديدة لتعبئة مناصريه ضد التعديلات الدستورية. وافق بايكال على أن يكون شاهداً على زواج ابن رئيس بلدية بوكا في إزمير بخطيبته، وأقنعهما بأن يقولا كلمة أوافق بدل نعم عندما يسألهما رئيس البلدية إن كانا يريدان الارتباط.
ولمّح بايكال إلى أنّ «الخطّة» من صنيعته، عندما قال، في مؤتمر صحافي تلى مراسم الزواج، إنّ «قضية الاستفتاء هي المسألة السياسية الراهنة، وبما أنه لا يمكن العروسَين أن يجيبا بـ لا (شعار حملة الحزب لمعارضة التعديلات الدستورية) في عرسهما، فإنّهما قالا أوافق بدل نعم. فلنكن واضحين: لم يقولا نعم إلّا ليتزوّجا»، مطمئناً إلى أنّهما سيصوّتان ضد التعديلات الدستورية في 12 أيلول.
ونالت قصّة زوجَي بوكا اهتماماً إعلامياً في تركيا. وأفردت صحيفة «حرييت» تقريراً عن الموضوع، حاولت فيه استطلاع آراء قانونيين لمعرفة ما إذا كان يحق للزوجين الهروب من كلمة نعم لتثبيت زواجهما، لتخلص إلى أنّ استعمال كلمة «بمعنى نعم»، يصحّ قانوناً ولا يمسّ بوضع الزواج.

استقالة ومحاسبة قادة في «الشعب الجمهوري» مؤيّدين للتعديلات
ولم يكن أمام حزب «العدالة والتنمية»، صاحب رزمة التعديلات الدستورية التي يعارضها كل من «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية التركية»، ويقاطع التصويت عليها حزب الأكراد «السلام والديموقراطية»، إلا أن ردّ على مقاطعة كلمة الـ نعم بزواج آخر، تحوّل بدوره إلى حملة لتعبئة المواطنين للتصويت لمصلحة الرزمة. مسرح الزواج كان هذه المرة في إسطنبول، حيث تزوّج ابن مسؤولة نسائية في «العدالة والتنمية». وبعدما قال الزوجان نعم، بادر رئيس بلدية بيكوز (في إسطنبول) يوسل شليكبليك إلى مخاطبة الزوجين قائلاً «أتوقع منكما أن تقولا نعم مشابهة في 12 أيلول». لكن هذا الزواج تحوّل تحوّلاً مأساويّاً، إذ بدا أنّ ذوي العروس معارضون للتعديلات، بدليل أنهم ردّوا بغضب وعلناً على رئيس البلدية لأنه «لا يحق له أن يخوض حملة سياسية هنا»، وهو ما تطوّر إلى تلاسن كاد يصل إلى تعارك بالأيدي لولا تدخّل أصحاب الأعصاب الباردة، الذين أثارتهم دموع العروس، التي أُفسدَ ما كان من المفترض أن يكون من أسعد أيام حياتها.
وبعيداً عن الأجواء الفكاهية المتعلقة بالاستعدادات للاستفتاء، تلقّى «الشعب الجمهوري» ضربة سياسية بدت الصحيفة الموالية «توداي زمان» سعيدة جداً بتسليط الأضواء عليها. فقد أعرب أحد نواب «الشعب الجمهوري»، أشرف إردم، عن دعمه للتعديلات الدستورية، وهو ما أدى إلى إحالته على اللجنة التأديبية في حزبه. أما رئيس بلدية كوناكالي (في محافظة كونيا)، محمد شوغور، فهو مهدَّد بدوره بالفصل بعدما جاهر بتأييده للإصلاحات الحكومية. كذلك هي حال رئيس بلدية إحدى بلدات الأناضول نور الدين ترسون (الذي استقال من الحزب وانضمّ إلى العدالة والتنمية لتأييده الإصلاحات)، ورئيس بلدية يديسو شريف ميمي أوغلو.