أمهلت وزارة الدفاع الأميركية المختبرات العسكرية الخاصة بأبحاث الأسلحة البيولوجية، التي اكتُشف بعض الثغَر فيها، حتى 13 أيلول الحالي كي تسلّم تقارير تشرح أسباب حصول تلك الثغر.

وكانت وزارة الدفاع قد قررت، الخميس الماضي، تجميد نشاط ثلاثة مختبرات خاصة بالأبحاث المتعلقة بالأسلحة البيولوجية وهي: مختبرات «إدج وود» ومركز «فورت دترك» العسكري (ولاية ماريلاند الواقعة شمال شرق الولايات المتحدة)، ومركز «داغ واي» العسكري (ولاية يوتا الواقعة غرب الولايات المتحدة).

يذكر أنه قُرر تعليق العمل في مختبري «إدج وورد» ومركز «فورت دترك» العسكري بعد التأكد من أن سجلاتهما «ليست كافية وليست كاملة»، أما مركز «داغ واي» العسكري، فقد عثر فيه على بكتيريا ناشطة لـ"الجمرة الخبيثة" في شحنات أرسلها مختبر المركز إلى 194 مختبراً في 50 ولاية من الولايات المتحدة وتسع دول أجنبية، بحسب بيان صادر عن الجيش الأميركي.
وليس من الصعب تفسير العثور على بكتيريا ناشطة لـ«الجمرة الخبيثة»، بما أن المختبرات الأميركية الخاصة بالأبحاث المتعلقة بالأسلحة البيولوجية تستخدم منذ زمن طويل بكتيريا «العصوية الجمرية» و«البوسيلا» اللتين تتسببان بمرض الجمرة الخبيثة والحمى المالطية. أما عن تاريخ البدء باستخدام تلك البكتيريا، فليس واضحاً، إلا أنه ليس ببعيد عن تاريخ بدء الولايات المتحدة الأميركية بأبحاثها المتعلقة بالأسلحة البيولوجية.
ومن المؤكد أن التوصل إلى تلك الأسلحة البيولوجية لم يتم في يوم وليلة، ولربما تكون اتهامات الاتحاد السوفياتي، كوريا الجنوبية، والصين للولايات المتحدة باستخدام الأسلحة البيولوجية ضد كوريا الجنوبية في حربها ضدها (عام 1950-1953)، هي أحد العوامل التي تؤكد أن أميركا كانت ناشطة في مجال الأسلحة البيولوجية منذ زمن طويل. ليس هذا فحسب، بل أيضاً اتهام الاتحاد السوفياتي لأميركا باستخدام الأسلحة البيولوجية في منطقة الأسكيمو الكندية خلال «الحرب الباردة» (1947-1991)، وذلك تخطيطاً «لنشر وباء «الكوليرا» في جنوب شرق الصين، بحسب مسؤولين في الاتحاد السوفياتي وقتها.
وبالرغم من أن الولايات المتحدة كانت قد ادعت أنها دمّرت كل أسلحتها البيولوجية عام 1973، إلا أن ملف «الأسلحة البيولوجية» الذي سلمه الجيش الأميركي للكونغرس عام 1977، أثبت العكس. وتضمن الملف معلومات، يتخللها «توصل الجيش الأميركي إلى أسلحة بيولوجية متعددة بواسطة عدد من «البكتيريا القاتلة أو شبه القاتلة» للمحاصيل الزراعية، إلا أن الملف لم يتطرّق إلى أي تفاصيل بحكم أنها «أسرار عسكرية».
ومنذ ذلك الوقت، لم تبرز قضية الأسلحة البيولوجية الأميركية بشكل لافت حتى نهاية عام 2001 الذي كان نقطة تحول جديدة في ذلك الملف، بعدما مات 5 موظفين يعملون في أحد مراكز البريد في الولايات المتحدة، بسبب تنشقهم بكتيريا الجمرة الخبيثة (الإناثركس)، علماً بأن الطرود التي حملت هذه البكتيريا كانت موجهة إلى صحافيين وسياسيين، بحسب صحف محلية أميركية. واعتبرت السلطات الأميركية حينها أن الحادثة هي «هجمة إرهابية بيولوجية على الولايات المتحدة الأميركية». ولكن حتى الآن، لا يزال الكثيرون يتساءلون عما إذا كانت هذه الحادثة هي فعلاً «هجمة إرهابية»، أم أنها مؤامرة من صنع الولايات المتحدة لتكون ذريعة للتطوير والعمل علناً على مشاريع أسلحة بيولوجية متعددة؟
وفعلاً، في عام 2009، انضمت الولايات المتحدة الى «اللجنة الدولية للأسلحة البيولوجية» التي تضمّ أكثر من دولة، منها: الصين، فرنسا وروسيا. وكانت تمتلك في ذلك الوقت 400 مركز ومختبر خاص بأبحاث خاصة بأسلحة بيولوجية، ولديها 15000 عامل وباحث في تلك المراكز. كما أنها صرفت أكثر من 50 مليار دولار على تلك الأبحاث منذ عام 2001، والتي شملت أبحاثاً للتوصّل إلى فيروس «جمرة خبيئة أشد فتكاً من الموجود حالياً، وذلك بذريعة إيجاد لقاح أفضل له»، بحسب تصريحات عسكرية أميركية.
ولا شك أن تلك المشاريع المتعلقة بالأسلحة البيولوجية أثارت حالة من الخوف لدى الرأي العام الأميركي، الذي انتقد تلك المشاريع السرّية بشدة لعدة أسباب، وهي: الخوف من إشعال حرب تنافسية لامتلاك الأسلحة البيولوجية، وارتفاع نسبة حدوث تسريب عمداً أو عن طريق الخطأ لمواد شديدة الخطورة.
ويبدو أن قلق المواطن الأميركي كان في محلّه، نظراً إلى الثغر التي وجدت في المختبرات والمراكز العسكرية، علماً بأن البكتيريا التي وجدت في المختبرات كانت ستتسبب بكارثة صحية إذا ما تسرّبت خارج المختبرات، وخاصةً أنها تنتقل بسرعة فائقة من جسد إلى آخر.