8 ملايين شخص مهدّدون... وتنظيم «الإرهاب» أكبر المستفيدين


باريس ــ بسّام الطيارة
ظلّت أخبار المجاعة السائدة في أفريقيا مختفية وراء الأخبار السياسية وبعيدة عن واجهة الحدث الإعلامي، مقتصر التعامل معها على إطارات ضيّقة جداً لا يطالها إلا بعض الخبراء، في ظل غياب ملحوظ للجمعيات الإنسانية الناشطة التي كانت تبادر في السابق إلى نفخ البوق الإعلامي في مثل هذه الحالات.
الأمر بقي على هذا النحو إلى أن أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة مضاعفة معوناته للنيجر لإطعام «ثمانية ملايين شخص» فقدوا محاصيلهم الزراعية وماشيتهم في موجة جفاف شديد. فجأة دفعت ضخامة هذا الرقم بالحدث إلى واجهة الإعلام بالتوازي مع صوت قرع طبول الحرب في المنطقة واندلاع بعض المناوشات المرشحة للتفاعل والتحول إلى ساحة حرب مفتوحة.
وصرّحت جوزيت شيران، المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، الأسبوع الماضي، بأن «الجفاف في النيجر كارثة تنتشر بين ملايين الأشخاص». ويضيف بعض الخبراء أن «أعداد الموتى لم تخرج بعد إلى العلن» وأن التوقعات أن يكون عدد الضحايا عشرات الآلاف، فيما آثار «مجاعة عام ٢٠٠٥» لا تزال ظاهرة، ما يجعل العديد من أفارقة الساحل يصفون ما يصيبهم بأنه «كارثة لا نهاية لها».
ويرى الخبراء أن «عشرة ملايين على الأقل» مستهدفون خلال أسابيع قليلة، من حيث غياب الحد الأدنى الضروري للبقاء على قيد الحياة، وأن العدد مرشح للارتفاع كثيراً، من دون الأخد في الاعتبار تفشّي الأمراض في حال تسارع وتيرة الوفيات بغياب حدّ أدنى من الاحتياطات الصحية وارتفاع درجات الحرارة.


التقديمات باتت «وجبة واحدة» تضمّ الحد الأدنى من «مقوّمات الحياة»
تقول الأرقام إن أزمة النيجر بلغت درجة من السوء إلى حدّ أن «نصف السكان باتوا مهددين» بسبب الجفاف الحاد، وبات خطر سوء التغدية يطال معظم الأطفال. وصرّحت شيران «نحن نزيد زيادة ضخمة حجم المساعدة الغذائية الخاصة بالأطفال دون الثانية من العمر الذين تواجه عقولهم وأجسادهم ضرراً مستديماً بسبب سوء التغذية الحاد»، وإن «الهدف العاجل» هو إطعام 7.9 ملايين شخص حتى نهاية العام، مقارنة بـ4.3 ملايين في العام الماضي.
وبحسب عدد من العاملين في منظمات إنسانية، فإن التقديمات باتت «وجبة واحدة» يراعى في تركيبتها ضرورة توفير الحد الأدنى من «مقوّمات البقاء على قيد الحياة»، فيما لوحظ أن عدداً من سكان الأرياف عاد إلى «نمط حياة بدائية» ويتغذى من قطف الأعشاب ونبش جذور النبات وسلقها بالماء.
وعلمت «الأخبار» أن تكلفة العمليات الموسّعة بلغت ٢١٣ مليون دولار «لا يتوافر نصفها حتى الآن»، حسب قول مسؤول في منظمة إنسانية رفض ذكر هويته.
وتضاف إلى حدّة الأزمة مسألة شراء المواد التموينية، التي كانت تُتسوّق في السابق من الدول المجاورة، إلا أن هذه الموارد القريبة شحّت بسبب الجفاف المسيطر على مجمل الدول، وبات استيرادها يتطلّب نحو ثلاثة أشهر إلى جانب التكلفة المضافة للشحن. ويرى أكثر من مراقب أن شهر أيلول سيكون حاسماً. فإذا لم تتوافر مساعدات كمالية لبرنامج التغذية، فإن من المتوقع أن «تسبّب المجاعة كارثة إنسانية».
وبحسب آخر الإحصائيات، فإن تراجع المحاصيل بسبب الجفاف بلغ ٣٠ في المئة بالنسبة إلى الحبوب و٧٠ في المئة بالنسبة إلى الخضر و٧٠ في المئة بالنسبة إلى احتياط علف الحيوانات الداجنة، ما يسبّب تراجعاً في منتوج الحليب واللحم.
وبالطبع، فإن الأطفال والمسنين يدفعون ثمناً باهظاً، إذ ارتفع عجز التغذية لدى من هم أقل من ٥ سنوات من 12.3 في المئة (وهي أصلاً نسبة مرتفعة جداً، إذ لا تبلغ 0.03 في المئة في الدول المتقدمة) إلى 16.7 في المئة، بينما ترى منظمة الصحة العالمية أن «عتبة الطوارئ لدول الجنوب هي ١٥ في المئة».
النتائج كثيرة «ومرعبة»، حسب قول المسؤول الإغاثي، إذ إن جماعات عديدة «تُعدّ بعشرات الآلاف» بدأت تتوجه نحو المناطق الحضرية بحثاً عما تقتات به، تاركة وراءها الريف والمناطق الزراعية مهجورة من دون أي نوع من الحياة، ما يسبّب تصحّر مناطق شاسعة.

تكلفة العمليات الموسّعة بلغت ٢١٣ مليون دولار «لا يتوافر نصفها حتى الآن»
من ناحية أخرى، تسهم هذه الحركة في اكتظاظ المدن بالسكان حيث يتكدّس اللاجئون في أحياء الصفيح وأحزمة البؤس من دون أي أمل بزيادة إمكان الحصول على مساعدة تغدية، حيث سيصبحون لقمة سائغة لعالم المخدرات والجنح والجريمة. ويتخوّف المسؤولون من «مستقبل هذه المناطق»، إذ إن فقدان التوازن بين المدن والريف لا يقتصر فقط على الناحية الديموغرافية، بل أيضاً على النمو الزراعي المستدام، حيث إن معظم هذه المناطق المهجورة كانت تطعم أولادها وتصدّر كميات من المواد الغذائية إلى العواصم والمدن القريبة. وبحسب التجارب السابقة، فإن الجماعات التي تهجر الريف وعملها الزراعي، من النادر جداً أن تعود إلى سابق عهدها مع انتهاء فترة الجفاف، وخصوصاً عندما تكون الهجرات كثيفة، كما هي الحال اليوم، ما يسبّب أيضاً ضرراً فادحاً في اقتصاد البلاد المعنية، وهي اقتصادات ضعيفة أصلاً، ويصبح أمنها الغذائي مرتبطاً فقط بالاستيراد، ما يزيد من خلل ميزانها التجاري.
عوامل كثيرة تبرز أهمية «النداء العاجل» الذي أطلقه مسؤولو برنامج الأغذية العالمي. فهو لا يتعلق فقط بإطعام ملايين من البشر المهددين بموت بطيء بسبب المجاعة، بل أيضاً بمنع انهيار نظم اجتماعية وهيكليات دول فقيرة على أبواب أوروبا الغنية، يمكن أن تمثّل مصدراً لجحافل من اللاجئين طلباً للغذاء والعمل، تاركين وراءهم مناطق شاسعة متصحّرة ترتع وتتربى فيها منظمات إرهابية تنمو على شقاء وجوع الذين لن تتاح لهم فرصة «الهجرة إلى الشمال».


حرب جنوبي المتوسّطولكن لا يقتصر الإرهاب على تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي»، بل يقال إن مناطق الحدود باتت تعجّ بكل أنواع التنظيمات الصغيرة، التي هي عصابات تهريب وخطف تلطّت وراء بعض الشعارات الإسلامية الرائجة. ولا يستبعد البعض أن يكون «القاعدة»، من حين إلى آخر، وراء «تلزيم» بعض العمليات أو «شراء أو بيع بعض الرهائن»، حسب مصالح يصعب تفسيرها، إلا أنه يُتفق على أنها تسهم في دعم تمويله.