سراييفو ــ ضحى شمس

لا يعكّر عبير الورد في سراييفو إلا رائحة الكباب المشوي. ما إن يحلّ الظهر، حتى تعبق رائحة الكباب الشهير بجودته في السوق، جاذبة الناس من أنوفهم إلى المطاعم الصغيرة والرخيصة. هنا لا داعي لعلف اصطناعي. المراعي أوفر بكثير.

سراييفو مدينة من طبقات. إن وقفت وسط قلبها العثماني المرصوف بالحجارة والمخصص للمشاة، ونظرت إلى الأفق المحيط بها، فسينخلع قلبك لجمال المكان. على مدار البصر، فستجد نفسك محاطاً بهضاب خضراء انتشرت فوقها بيوت القرميد بعشوائية جميلة، كما لو كانت مصممة. المدينة تقع في واد يخترقه نهر ميلياتسكا. وفوق النهر جسور عديدة، ربما كان أشهرها جسر لاتينسكيموست، أو جسر الأرشيدوق. من هنا بدأت الحرب العالمية الأولى باغتيال أرشيدوق النمسا فرانسيس فرديناند. بعدها، حسب الزمن السياسي، كان جافريلو برنسيب، قاتل الأرشيدوق، سيصبح بطلاً فيسمى باسمه الجسر، أو يتغيّر الزمن فيعود قاتلاً، وتعود للجسر تسميته الأصلية. اليوم اسم الجسر الأصلي هو السائد. وبما أنها مدينة من


حين أمسك الناس بالقنّاص رموه من أعلى المبنى

طبقات، تخرج مستكشفاً بالترامواي الرقم 3. ما إن تخرج من المدينة القديمة، حتى تخترق سواراً من الفن النمساوي المجري العائد إلى أيام الإمبراطورية. تتذكر أنك رأيت ذات يوم في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ «ولي عهد» النمسا، وريث آل هابسبورغ، موظفاً هناك. بعدها، سرعان ما تصدم عينيك بشاعة مبان حديثة تعود إلى السبعينيات، تليها عمارة سوفياتية لا تقل عنها بشاعة. تعلق في ذهنك صورتان: نصب الشعلة الموقدة منذ أيام تيتو احتفالاً بانتهاء الحرب العالمية الثانية، ونصب الأطفال القتلى وسط سراييفو. النصب الأخير يمسّ شغاف القلب بآثار أقدام الأطفال المطبوعة في طينه، وسبع لفافات معدنية كتبت عليها أسماء أطفال الحرب القتلى مع تواريخ ميلادهم ومقتلهم. العديد منهم قتلهم قنّاص استطاع الناس أن يلقوا القبض عليه «ليرموه من أعلى المبنى». تتذكر قنّاص بيروت الذي انتهى بالطريقة نفسها. اللفافات الاسطوانية المعدنية متحركة، ما إن تبرمها حتى تنبعث منها موسيقى أجراس هواء رقيقه كأنها صوت جريان ماء فوق معدن.
لا ينتهي الأخضر على الطريق إلى سربرينيتشا. غابات تعقبها غابات، أنهار تعقبها أنهار. تبحث عن آثار الحرب فلا تكاد تجدها. هل هو جمال الطبيعة الأخّاذ الذي يلهيك، محوّلاً حتى البيوت القرميدية المهجورة إلى شيء جميل؟ أم هي آثار الحرب مُحيت بهذه السرعة؟ يقول المترجم إن أصحاب البيوت المهجورة لم يعودوا إلى المناطق الجريحة بالتطهير العرقي. فقط كبار السن. وقعت سربرينيتشا ضحية الجغرافيا: أراد «الكيان الصربي»، كما يقول أحد الزملاء، ضمّها إليه، (سربريتسكا المتحدة اليوم في فدرالية البوسنة والهرسك والطامحة إلى الانفصال للانضمام إلى جمهورية صربيا) من أجل «صربيا الكبرى»، يقول ساخراً، مضيفاً: «ذبحوا الأولاد والشباب والشيوخ واغتصبوا النساء من أجل صربيا الكبرى». ثم يهزّ رأسه آسفاً. كان على غالبية سكانها من المسلمين أن يهجّروا، لهذا حصلت المذبحة، ولهذا كان هناك تواطؤ دولي كما يقول. فالمدينة كانت تحت حماية الأمم المتحدة. الأمم المتحدة، ممثّلة بالكتيبة الهولندية، أجبرت 15 ألف مدني أعزل لجأوا إلى مقرّها، على الخروج إلى حيث كان الصرب المسلحون ينتظرون، خارج الأبواب، فريستهم. احتفظت الكتيبة فقط بخمسة آلاف مدني، مع يقينها بأن الباقين سيُصفّون في الخارج، وهكذا كان.
لا تكاد تصدق أن أناساً محاطين بكل هذه الطبيعة الأخّاذة قد يفكرون في شيء آخر غير الشعر أو الحب. لكن لعامرة (مؤنث عامر)، نورا وصليحة رأي آخر. لم ينقذ عامرة (32 عاماً) من المجزرة، التي ذهبت عائلتها بأكملها ضحيتها، سوى أن والدها أرسلها قبل الأحداث بأسبوعين إلى خالتها في منطقة أخرى للإعداد للامتحانات. كانت حينها في الخامسة عشرة كما قالت. تروي قصتها، لكنّ البكاء يفاجئها و«يفرط» المترجم معها، فتنهمر دموعه ويتوقف عن الترجمة. هكذا وقفنا كلنا، متأثرين وصامتين، وسط النصب التذكاري، محاطين بأسماء 8372 شخصاً قتلوا.
ترمق عبر الطريق الهنغار الضخم الذي كان مصنعاً سابقاً، ثم مقراً للكتيبة الهولندية، وتحوّل اليوم متحفاً للمفقودين. لماذا يشبه الهنغار المجلس الحربي السيّئ الذكر؟ يعتذر المترجم «عن انفعالي غير المهني»، كما يقول. داخل الهنغار، معرض لبعض صور المفقودين ومتعلقاتهم الشخصية التي وجدت إلى جانبهم في المقابر الجماعية التي نقلت أكثر من مرة لتضليل البحث. القاتل لا ينام. يونس، زوج نورا، صورته هنا، وكذلك علبة الدخان «الفلت» الفضية وقداحة بدائية. شهيد آخر عرضت إلى جانب صورته الرسالة الأخيرة

ذبحوا الأولاد واغتصبوا النساء من أجل صربيا الكبرى

التي أرسلها إلى والديه عشية المجزرة التي حصلت في 11 تموز 1995. معظم الكلام المكتوب بحبر بنفسجي خلته انقرض، هو عن الوداع. كلمات امّحت بسائل ما، أهو المطر أم قطرات الدمع؟ لا تريد أن تعرف. الجميع كان متيقناً من أنه مقتول لا محالة. ابن نورا كان مراسلاً لإذاعة محلية. في رسالته الأخيرة، العاشر من تموز، وجّه نداء الماثلين أمام الموت، إلى العالم: أرجوكم افعلوا شيئاً، وإلا فسيكون هذا تقريري الأخير. نورا لا تزال تبحث عن ابنها مستمعة بعض الأحيان إلى تقريره الأخير.
المطر ما زال ينهمر بخفة متناهية، كمطر من ندى. المظلات مفتوحة، عامرة لا تزال دامعة، والكل صامتون. نورا وصليحة قرويتان. في المقبرة وضعت كل منهما منديلاً على رأسها، تنزعانه عندما تخرجان. تماماً كعادات المسيحيين، الصرب الأرثوذكس، والكروات الكاثوليك.
لا تزال البوسنة تواصل دفن من تجده من مفقوديها. النصب في سربرينيتشا «مقبرة مفتوحة تنتظر بقية الضحايا، بهذا المعنى هي نصب حي»، لا أتذكر من قال ذلك. لكن نورا عادت إلى سربرينيتشا «لن يحصلوا على ما أرادوه. لن أترك أرضي»، تقول وهي تكفكف دموعها. لكن معظم العائدين من أصل 27 ألفاً كانوا في المدينة هم من العجائز. قد يكون الصرب حصلوا على ما أرادوه برغم تمنيات عامرة، وخصوصاً أن الأمم المتحدة، كما قال عدنان، كرّست نتائج المجزرة باعترافها بأنها جزء من «كيانهم» كما يقول. تتمنّى أن تسمع وجهة نظر هؤلاء أيضاً. الشرطي الصربي الذي كان يقف حارساً على نصب المجزرة التي ارتكبها إخوة جلدته، كان ينظر إلى وفدنا شزراً. لكنه مع ذلك كان هنا ليحرسها.


نصب حي المصالحة تبدأ من هنا. اعتراف، فندم، ودفن جماعي لكل الضحايا. مسامحة وبداية من جديد. إن لم يدفن القتلى فسيبقون أشباحاً تائهين، يقودون الأحياء في متاهات الأحقاد وعذاب الشك والأمل. نصب سربرينيتشا: فعلاً إنه نصب حي.