«الهدف من هذه الإجراءات هو الحدّ من التدفقات الحالية (من اللاجئين) إلى ألمانيا، والعودة إلى الإجراءات المعتادة التي تنظم دخول الأشخاص إلى البلاد»، قال أمس زير الداخلية الألماني، توماس دو مازيير، موضحاً أن «التركيز سيكون أولاً على الحدود مع النمسا». وشدد دو مازيير على أن ألمانيا التي كانت حتى عطلة الاسبوع الماضي تتجاهل مؤقتاً القوانين الأوروبية التي تُلزم اللاجئين بتسجيل طلبات اللجوء في أول دولة أوروبية وصلوا إليها، يجب أن تعود بسرعة إلى تطبيق الإجراءات التنظيمية المرعية الإجراء.


وفي الوقت نفسه، نبّه دو مازيير إلى أن على بلاده أن تستعد للتعامل مع «عدد كبير جداً من اللاجئين» على المدى الطويل، مضيفاً أن بعضهم يدّعي أنه سوري الجنسية، على أمل منحه حق اللجوء. وقال موقع «شبيغل» الألماني إن كل الشرطيين الفدراليين قد وُضعوا في حالة تأهب، وإنه «سيتم إرسال كل الشرطيين المتوافرين الى بافاريا لإغلاق الحدود».

وأمس، أطلقت سلطات ميونيخ نداءً قالت فيه إنها «لا تستطيع ومقاطعة بافاريا التصدي لهذا التحدي الكبير (تدفق اللاجئين) بمفردهما». وأعلن ناطق باسم شرطة ميونيخ أمس أن المدينة وصلت إلى «الحد الأقصى» من قدراتها الاستيعابية لطالبي اللجوء «الذين يتدفقون من دول البلقان عن طريق المجر ثم النمسا»، بعد أن وصل حوالى 13 ألف لاجئ جديد يوم السبت الماضي وحده، علماً بأن نحو 63 ألف لاجئ قد وصلوا إلى ميونيخ منذ 31 آب الفائت. ويضطر عشرات اللاجئين في المدينة إلى النوم في الهواء الطلق، بسبب الاكتظاظ، حسبما ذكرت محطة تلفزيون بافارية، رأت أن المدينة «اقتربت بشكل كبير من كارثة إنسانية».

ويزداد التوتر في ألمانيا مع تصاعد شكوى الولايات من العبء المتنامي لاستيعاب أكبر موجة لاجئين تواجه أوروبا منذ عقود. وقال المفوض الألماني في الاتحاد الأوروبي، جونتر أوتنجر، لصحيفة «فيلت إم زونتاج»، إن على بلاده أن تخفض «المبالغ التي تُقدم لطالبي اللجوء، حتى تتقارب مع ما يُقدم في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى»، وذلك في محاولة لأن تكفّ ألمانيا عن كونها البلد الأوروبي الأكثر جذباً للاجئين والمهاجرين.


تستمر مأساة اللجوء في فرز أوروبا رسمياً وشعبياً

من جهته، دان أمس وزير النقل الألماني، الكسندر دوبرينت، «الإخفاق الكامل للاتحاد الاوروبي» في اتخاذ إجراءات فعالة لوقف تدفق المهاجرين، قائلاً إن منظومة حماية الحدود الخارجية للاتحاد «لم تعد تعمل». ويأتي كلام دوبرينت بعد أن كانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قد قالت، يوم السبت الماضي، إن «على اليونان أيضاً أن تتحمل مسؤولياتها» في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، «غير المؤمنة حالياً»، علماً بأن السلطات اليونانية لم تعد قادرة، بسبب الأعداد الهائلة للمهاجرين، حتى على تسجيل أسماء هؤلاء الذين يأتون إليها بحراً من تركيا، ليعبروا إلى صربيا، ومنها الى المجر، بهدف الوصول إلى ألمانيا بشكل خاص. كذلك أعلنت ميركل رغبتها في حوار عاجل مع تركيا حول سبل حماية حدود الاتحاد الاوروبي، مكررة القول إن من يأتي إلى بلادها «لأسباب اقتصادية، مهما كانت مبررة، لن تكون له فرص في البقاء عندنا». وفي المقابل، رفضت رئيسة الحكومة اليونانية المؤقتة، فاسيليكي ثانو، الانتقادات الأوروبية حول إدارة بلادها لأزمة الهجرة، معتبرة إياها «غير مقبولة»، وذلك في تصريح لها أمس، رأت فيه أن «اليونان تتقيد تماماً بالاتفاقيات الاوروبية والدولية، من دون تجاهل البعد الانساني».

وتستمر مأساة اللجوء في فرز أوروبا على المستويين الرسمي والشعبي. وتوفي أمس 28 شخصاً غرقاً بين تركيا وجزيرة فارماكونيس اليونانية، وذلك بعد أن غرق مركبهم الذي كان يقل أكثر من 100 مهاجر في طريقهم إلى أوروبا الغربية. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإن أكثر من 2700 مهاجر قُتلوا في المتوسط منذ مطلع السنة، من أصل حوالى 430 ألفاً عبروا البحر، على أمل تأمين حياة أفضل في أوروبا. وفي هذا الوقت، قال رئيس الوزراء التشيكي، بوهوسلاف سوبوتكا، إن بلاده لن تتراجع عن موقفها الرافض لفرض الاتحاد الأوروبي حصصاً إلزامية من المهاجرين على دوله الأعضاء، بينما انتقد المستشار النمساوي، فيرنير فايمان، حكومات دول أوروبا الشرقية على موقفها هذا، تحت شعار رفضها «الغزو الإسلامي».

ميركل: إن من يأتي إلى ألمانيا لأسباب اقتصادية «لن تكون له فرصة في البقاء»
وكانت المجر وسلوفاكيا وبولندا وجمهورية التشيك قد أعلنت صراحة، في وقت سابق، رفضها استقبال لاجئين مسلمين على أراضيها. وقال فايمان في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية، في عددها الصادر يوم السبت الماضي، إن «تقسيم حقوق الإنسان على أساس الدين أمر لا يطاق»، وإن «التقديرات تشير إلى أن حوالى 7.5 ملايين لاجئ سيأتون إلى أوروبا في السنوات المقبلة، ما قد يمثل 1.5% من سكان الاتحاد الأوروبي... لا أصدق أننا لا نستطيع أن نعالج هذه القضية. فمن دون حصص إلزامية عادلة، لا يمكن أن نحقق نجاحاً في الوقت الحاضر». وأضاف فايمان أنه «إذا لم يكن هناك استعداد لتقديم تنازلات في قضية اللاجئين (من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد)، يجب فرض حصص وعقوبات، عن طريق خفض أموال الصناديق الهيكلية التي تستفيد منها الدول الأعضاء في أوروبا الشرقية في المقام الأول».

أما على المستوى الشعبي، فشهدت نهاية الأسبوع الماضي خروج آلاف المتظاهرين في مسيرات في عدة مدن أوروبية، بعضها دعماً لاستقبال اللاجئين، وبعضها الآخر ضد استقبال الأخيرين، محذّراً من «تنامي الإسلام» في أوروبا. وسار آلاف البريطانيين في تظاهرة جابت وسط لندن، وصولاً إلى مكاتب رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، رافعين لافتات كُتب عليها «افتحوا الحدود»، و«اللاجئون إلى الداخل، المحافظون إلى الخارج». وفي العاصمة الدنماركية، كوبنهاغن، أكدت الشرطة خروج حوالى 30 ألف شخص دعماً لاستقبال اللاجئين، كذلك تظاهر حوالى ألف شخص في العاصمة السويدية، ستوكهولم، في السياق نفسه.

وفي المقابل، شهدت العاصمة البولندية، وارسو، أضخم التظاهرات المعادية للاجئين، حيث خرج أكثر من 5 آلاف شخص، رافعين لافتات تحذر من «تنامي الإسلام» في القارة العجوز. وخطب أحد قادة التظاهرات، مذكّراً بأن الثاني عشر من أيلول هو ذكرى معركة فيينا عام 1683، عندما تمكنت القوات البولندية من صدّ القوات العثمانية ومنعها من احتلال العاصمة النمساوية. كذلك شهدت مدن أخرى في بولندا وتشيكيا وسلوفاكيا تظاهرات مشابهة، علماً بأن هذه الدول نفسها شهدت موجات هجرة لمواطنيها في تسعينيات القرن الماضي، عقب سقوط الأنظمة الاشتراكية فيها.

(الأخبار، أ ف ب، رويترز)