على عكس انتخابات الدورة الأولى التي تميّزت برياح جديدة وأفكار خلّاقة كادت أن تحاصر هيمنة «الأوريبية» وتعطّلها، تأتي الدورة الثانية باهتة، كأنها مجرد تقطيع للوقت قبل تسلّم خلف أوريبي سدّة الرئاسة الكولومبية



بول الأشقر
أظهرت صناديق الاقتراع، قبل ثلاثة أسابيع، أن كل استطلاعات الرأي قد أخطأت عندما رجّحت أن مرشح حزب «الخضر» المعارض، أنتاناس موكوس، سيحرز عدداً موازياً من الأصوات للمرشح الأوريبي الموالي، خوان مانويل سانتوس. وكما السراب، توارى المشهد الذي كان قد بدأ بالتكوّن قبل الانتخابات. المشهد الذي يريد إحضار «كولومبيا أخرى» أخلاقية ومتمسكة بشرعية القانون، وتحويل موكوس الذي لم يعقد تحالفات مع الطبقة السياسية إلى وعاء قادر على تجميع كل المتضررين من سنوات أوريبي الثماني.
قساوة النتائج التي أعطت سانتوس 46.5 في المئة من الأصوات وأكثر من ضعف أصوات موكوس (21.5 في المئة) قلبت المشهد رأساً على عقب، من مشروع «الكل ضدّ سانتوس» إلى «الكل مع سانتوس». أظهرت نتائج الدورة الأولى جليّاً أن ما يسمى الشبكات الاجتماعية (فايسبوك وتويتر وغيرهما) وإرادة الشباب ونشاط المتطوعين، وخصوصاً في المدن الكبرى، لم تكن كافية، وتحديداً بين الفقراء وفي المناطق النائية. ترشيح موكوس لم يقنع الناخبين، وبدا كأنه «صرعة» لتسجيل موقف مبدئي، وعندئذٍ أثبتت الماكينات الانتخابية أنها أكثر تأثيراً من الشبكات الاجتماعية ومن نيّاتها الحسنة.
في اليوم التالي للدورة الأولى، وبعدما أكد سانتوس ليلة إعلان النتائج إصراره على تأليف حكومة وحدة وطنية، كرّت سبحة السباق على الحقائب الوزارية: قرّر الحزب المحافظ الالتحاق بسانتوس، وكذلك فعل تنظيم أوريبي المنشق الذي حلّ ثالثاً وحصل على أكثر من 10 في المئة من الأصوات. عندها كانت سلّة سانتوس الافتراضية قد امتلأت بأكثر من 60 في المئة من الأصوات. أما الحزب الليبرالي، فقرّر ترك حرية الاختيار لأنصاره، وهو ما يُعدّ تخلّياً عن رسالته المعارضة، وتذكيراً متأخراً بأن سانتوس كان قبل «الأوريبية» عضواً في صفوفه.
لم يبق إلا «القطب الديموقراطي البديل» (اليساري)، الذي حصل على نحو 10 في المئة من الأصوات، والذي لم يتفق مع «الخضر»، وكلاهما يريد قيادة حركة المعارضة المقبلة، و«الخضر» يفضّل عدم التحالف مع اليسار تمسّكاً بخطة عدم عقد صفقات حزبية، آملاً استقطاب أصوات لم تشارك في الدورة الأولى.
كأن الجميع فهموا رسالة الدورة الأولى: سانتوس سيحصل على كرسي الرئاسة، وحلم موكوس قد مرّ، والسياسيون على اختلاف أطيافهم، الموالية والمعارضة، باستثناء اليسار والخضر، استوعبوا أن الفترة بين الدورتين حاسمة لضمان مصيرهم السياسي.
وحسمت استطلاعات الرأي من بقيت لديه شكوك، إذ منحت سانتوس ما بين 60 و65 في المئة من الأصوات، فيما أدرك موكوس بصعوبة عتبة الـ30 في المئة.
كأن الحرب بدورها تقرأ الاستطلاعات. خلال الدورة الأولى، كانت الأحداث تشير إلى تعثّر الحرب على «الفارك» أو على الأقل وصولها إلى مفترق يتطلّب حواراً ما. أربعة أيام قبل الدورة الثانية، نجح الجيش في الإفراج عن أربعة ضباط، بينهم جنرال، كانوا رهائن لدى «الفارك». «عملية الحرباء» ذكّرت بـ«عملية شاه مات»، التي أشرف عليها وزير الدفاع خوان مانويل سانتوس، والتي أفرجت عن إنغريد بيتانكور ورفاقها من أسر «الفارك». رسالة ضمنية تقول إن اعتراضات موكوس المبدئية هي مجرد آراء تعلّق على الحدث. الطريق القويم هو الثبات في الحرب، وبالتالي انتخاب سانتوس. هدية ثمينة حتى لو لم يكن سانتوس بحاجة فعلية إليها.