باريس ــ بسّام الطيّارة

منذ فترة، تراجعت «قيم الاحترام» في المجتمع الفرنسي وباتت الشتائم «لغة جديدة» وظاهرة شبه معتمدة للتعبير عن تباين المواقف واختلافات الرأي. «اذهب وضاجع نفسك يا ابن العاهرة»، هذه الشتيمة ليست ترديداً لما وجّهه اللاعب الفرنسي نيكولا أنيلكا لمدربه ريمون دومينيك في غرفة الملابس في جنوب أفريقيا، بل هي الشتيمة الجديدة التي وجهها المواطن الفرنسي محمد بريجي (٢٠ عاماً) للرئيس نيكولا ساركوزي أثناء تفقده إحدى الضواحي، ليتابع شتيمته بالقول «أنا هنا في وطني». وبالطبع، هاجمت الشرطة بريجي وانهالت عليه بالضرب واعتدت على مصور التلفزيون الرسمي القناة «فرانس - ٣»، الذي حاول تصوير ضرب الشاتم وتقييده.
لم يرفع ساركوزي هذه المرة دعوى قدح وذم، بل رفعت الشرطة الدعوى بتهمة «عنف في مواجهة قوى الأمن»، بينما تحركت النيابة العامة على أساس جنحة قدح وذم لمقام الرئاسة. التهم الموجهة للعاطل من العمل بريجي كان يمكنها أن تصل إلى سجن ٤ أشهر وغرامة يمكن أن تبلغ ٧٥٠٠ يورو، إضافة إلى الحكم بعمل اجتماعي لـ٢١٠ أيام كحد أقصى. إلا أن قاضية محكمة بوبيني، التي مثل أمامها المتهم فوراً، لم تتبع مرافعة المدعي العام واكتفت بـ ٣٥ ساعة عمل اجتماعي، وخصوصاً أن المتهم كان «يحمل على وجهه علامات الضرب».
ورغم أن القاضية أخذت بعين الاعتبار أن السجل العدلي للمتهم «نظيف»، وأنه تعرض للضرب والإهانة والشتم العنصري، إلا أن جميع المراقبين يتفقون على أن الحكم جاء «خفيفاً» بالنسبة إلى القوانين المرعية الإجراء. وهم يتفقون أيضاً على أن «الشتائم باتت على الموضة»، وأن القاضية قارنت فعلة ابن الضاحية بما يحصل في الطبقات العليا من المجتمع في سياق الأحداث الأخيرة.
وبالفعل، فإن الجميع يشهد على أن بعض «هفوات الرئيس ساركوزي» ساهمت في توسع ظاهرة الشتيمة، إذ جدير بالذكر أن ساركوزي في بداية عهده «شتم» زائراً في معرض للزراعة في باريس لأنه رفض مصافحته، قائلاً «لا، لا تلمسني لأنك تلطخني»، فصرخ به: «انصرف أيها المعتوه المسكين».
ولم تكن تلك المشادة بين رئيس الدولة ومواطنين عاديين هي الأولى، وفي كل مرة كان فيها البعض يتساءل لماذا «لا يتعالى الرئيس عن الإهانة حرصاً على رمزية منصبه ويلجأ إلى القضاء؟» ولربما هذا ما كانت تفكر به القاضية التي أصدرت هذا الحكم الخفيف.
إلا أن هذا الجدل حول الشتيمة أوجد «سوقاً رقميةً جديدة» على شبكة الانترنت، إذ يكفي أن تضع كلمة «شتيمة» فتجد مليونين و٢٣٠ ألف موقع تذكر الشتيمة. وبالطبع زادت مغامرات الفريق الوطني وتشابك ساركوزي مع أولاد المواطنين من عدد المواقع. إلا أن الجديد هو وجود «مواقع متخصصة»، منها مثلاً مختص بـ«توليد الشتائم»، أي تعطي أفضل طرق للسباب والشتم «حسب صفات الذي يتلقى الشتيمة». كما يوجد موقع لـ«الشتيمة المضحكة» وموقع يعطي «قاموس الشتائم»، مدعمة بكلمات تمثّل مفاتيح البحث (دينية، عنصرية، إثنية إلخ...). وموقع آخر يعطي مجمل الشتائم الشهيرة، ويذكر مثلاً أن «ببغاء تشرشل كان يشتم هتلر من دون توقف». ويوجد أيضاً مواقع «خدمات للشتيمة»، وهي تعطي النصائح «القانونية» حول أفضل طرق الشتيمة من دون الوقوع تحت طائلة القانون. أما الموقع الذي يثير الاهتمام فاسمه «ماكينة الشتيمة»، وهو موقع يعهد إليه «القيام بشتم منظم عبر رسائل إلكترونية مع إغفال اسم «الزبون».
وبالطبع، هناك أيضاً موقع يحمل اسم «الشتائم العربية» المكتوبة باللغة الفرنسية، وهو يسمح «بمعرفة ما يقوله من يشتمك حسب تعريف الموقع»، وهو موجه إلى عدد متزايد من الفرنسيين الذين يرون أن «المواطنين من أصول مغاربية يشتمون باللغة العربية».
وفي الواقع، يغيب عن بال هؤلاء أن أولاد المهاجرين من الجيل الثاني أو الثالث باتوا لا يفقهون شيئاً من اللغة العربية التي حملها آباؤهم وأجدادهم، وباتوا لا يجيدون إلا لغة فولتير وإن هم مسخوها مسخاً رهيباً بسبب ظروفهم المعيشية وإفلاس النظام التربوي وفشله في استيعابهم.
وقد قصد هذا الشق محمد بريجي بإجاباته للقاضية في المحكمة، فهو لم ينف البتة أنه نطق بهذه الكلمات، لا بل أكدها «مئة في المئة من الألف إلى الياء». وتابع يقول «سيدتي قالوا لي إن ساركو هنا في الضاحية، فركضت وقلت له إني لا أوافقه الرأي وأن يكف عن زيارتنا هنا في الضاحية مستعملاً لغتي». وأضاف «إني مواطن عادي، لكن هذه هي لغتي». ويدرك الجميع أن هذه الشتائم في الضواحي لا تعني «فيزيولوجياً ما تحمله الكلمات»، بل هي تعبير عن معارضة سياسية بكلمات المحيط الذي يعيش فيه شباب الضاحية الفقراء والعاطلون من العمل، بعدما تركتهم أجهزة الدولة يتدبرون أنفسهم في غابة الليبرالية الجديدة التي زاد من وهجها وصول ساركوزي إلى الحكم. وهذا ما يعطي أهمية كبرى لحكم القاضية المخفف التي أعلنت عبره تفهماً لهذه «اللغة الجديدة».