شكوك في وجود شبكة: استهداف لانفتاح أوباما على موسكو


ربى أبو عمّو
... وكأن بعض الصحف ووكالات الأنباء الأميركية والعالمية، كانت بانتظار اللحظة التي تستطيع من خلالها رسم السيناريو الأكثر ترسخاً في العلاقات الروسية ـــــ الأميركية. سيناريو الجاسوسية الذي كان أساسياً خلال سنوات الحرب الباردة.
لحظةٌ تحققت يوم الأحد الماضي، حين أعلنت واشنطن اعتقال شبكة «تجسس» روسية مؤلفة من 10 أشخاص، بعد تعقب دام سنوات. فكان التذكير بتكتيكات الحرب الباردة، وخصوصاً أن المشتبه فيهم استخدموا تقنيات الحبر السري والهويات المزيفة والشفرات السرية ووسائل اتصال لاسلكية. تفاصيل راكمت بعضها فضُخّم الحدث، ووضعت علامات الاستفهام حول العلاقات بين البلدين، التي تمر بمرحلة إعادة تشغيل زر العلاقات. وكان اللافت عدم توجيه تهمة التجسس للمشتبه فيهم، فهم إما ارتكبوا أعمالاً غير شرعية، وإما قاموا بتبييض الأموال! كان الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف في واشنطن، في زيارة حملت طابعاً اقتصادياً. التقى نظيره الأميركي باراك أوباما، وتناولا البرغر في مطعم الأخير المفضل. بعد أيام، حصل الاعتقال وتسرّب الخبر إلى الصحف. الصفحات الأولى حكت عن شبكة التجسس الروسية. الرئيس الأميركي لم يدل بأي تصريح، باستثناء ما أعلنته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، التي أشارت إلى أنه لم يكن سعيداً بتوقيت الاعتقالات، لكن المحققين خشوا فرار المشتبه فيهم. أمر أكدته صحيفة «كوميرسانت» الروسية، التي قالت إن موسكو كانت على ثقة بأن إدارة أوباما «لم تشارك في افتعال هذه القضية».
وزارة الخارجية الروسية انتقدت توقيت الإعلان، وقالت إنها «لا تفهم السبب الذي يجعل وزارة العدل الأميركية تعلن مثل هذه الأنباء على الملأ». أما رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، فخاطب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي يزور روسيا، قائلاً: «في بلادكم، خرجت الشرطة عن السيطرة وزجت بأناس في السجن. آمل ألا تتضرر كل المكاسب الإيجابية التي تحققت في علاقتنا جراء هذا الحدث الأخير».
حدّة بوتين حيال القضية لا تشير بالضروة إلى احتمال أزمة بين البلدين. فرغم أن موسكو هي «الضحية» أو «المذنبة»، إلا أنها أعلنت أنه «لن يكون لها أثر سلبي على العلاقات»، ما يدل على رغبة روسية في تجاوز الملف، علماً بأن وزير الخارجية سيرغي لافروف رأى أول من أمس أنه «ليس من قبيل الصدفة الكشف عن شبكة التجسس المزعومة بعد بضعة أيام على زيارة مدفيديف إلى واشنطن». ولا يخفى أن ردة فعل أوباما، بحسب الصحف الأميركية، تدل أيضاً على رغبة في احتواء الضجة الأميركية القريبة منه. فضلاً عن تقدير نائب مدير المعهد الروسي في الولايات المتحدة وكندا، فيكتور كريمينيوك، الذي قال إن «مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي)، الذي يقف وراء الاعتقالات، هيئة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأوساط المحافظة التي ترى في روسيا خصماً يجب القضاء عليه».
ركزت الصحف الأميركية على سرد تفاصيل الاعتقال والتهم الموجهة إلى المشتبه فيهم، فيما لجأت الصحف الروسية إلى تفنيد هذه المعطيات وتحليلها، وخصوصاً أنها لم تكن واضحة. ولفتت «كومرسانت» إلى الإشكالية الواردة في تصريحات المسؤولين الأميركيين. وقالت إن مكتب التحقيقات الفدرالي «أكد أن أعضاء الشبكة ضباط في الاستخبارات الخارجية الروسية، فيما سارعت وزارة العدل الأميركية إلى نفي هذه المزاعم، وأكدت أن ليس لديها ما يثبت أن المعتقلين تلقوا أو سلموا معلومات سرية إلى جهة ما».
من جهتها، قالت صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» إن «هذه الفضيحة يمكن أن تحرج روسيا، لكنها لن تؤلمها كثيراً، لأنه لا بد من أن الأجهزة الأمنية الروسية تحتفظ بأوراق مماثلة كي تطرحها عند اللزوم». ورأت أن المستهدف من تفجير هذه القضية في هذا الوقت هو «التقارب بين روسيا والولايات المتحدة».
وفي السياق، قال كريمينيوك للصحيفة: «قد يتساءل المواطن الأميركي عن جدوى تطوير العلاقات مع روسيا التي لا تزال تتبع أساليب حقبة الحرب الباردة»، مشيراً إلى أن «اتفاقية تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية ستكون أولى ضحايا هذه الفضيحة».
وأضاف كريمينيوك أن «المستهدف الرئيسي من هذه المؤامرة هو أوباما الذي أراد المخططون لها أن يُظهروه بمظهر الإنسان الطيب، الذي يسعى إلى إقامة علاقات طيبة مع الروس من دون أن يدرك مدى خبثهم وغدرهم».
أمرٌ أكده أيضاً مدير مركز «كارنيغي» في موسكو، دميتري ترينين، الذي قال إن هذه الفضيحة «افتعلها إما ساسة أميركيون منزعجون من الانفتاح الكبير الذي يبديه أوباما على القيادة الروسية، أو رجال الأجهزة الأمنية الأميركية الذين أرادوا استعراض مهاراتهم بعد سلسلة من الإخفاقات».
من جهتها، طرحت صحيفة «برافدا» الروسية سلسلة تساؤلات عن تهمة التجسس. قالت إن «التقارير الأميركية لم تشر إلى نوع الخراب الذي سببه المشتبه فيهم. قيل إن الأشخاص المعتقلين قد يواجهون عقوبة السجن لمدة تصل إلى 20 عاماً بسبب قيامهم بتبييض الأموال، أو خمس سنوات لارتكابهم أعمالاً غير مشروعة لمصلحة حكومة أجنبية»، ما يعني أن تهمة التجسس غير موجودة.
وأضافت الصحيفة أن وسائل الإعلام الأميركية قالت إنه «أُلقي القبض على المجموعة بعدما وقع أحد أعضائها في حيلة نظمها مكتب التحقيقات الفدرالي. قبِل المشتبه فيه مغلفاً فيه 5000 دولار، وعرف عن نفسه بأنه عميل في الاستخبارات الروسية. ويبدو هذا غريباً. فإذا كانت الشبكة تعمل منذ سنوات، فلماذا يقبل أحدهم نقوداً من شخص غريب؟».
بلمح البصر، عادت الحرب الباردة إلى الأذهان. الاستنفار الاستخباري، العسكري، الأمني... سقطت شهورٌ من العمل على حياكة جديدة للعلاقات بين البلدين. هذا ليس ما يقوله الواقع، بل ما لمّحت إليه الصحف، بمجرد تضخيمها لهذه الحادثة، فيما الأمر قد ينحصر في لعبة الجواسيس التي لن تنتهي بين بلدين يربطها السباق إلى الريادة العالمية.