بدأت بالوكالة عبر «المجاهدين»... وانتهت بالانغماس المباشر


نيويورك ــ نزار عبود
في سياق حرب تستنزف قدراتهم، بدأ الأميركيّون يراجعون الحرب الأفغانية بمنظار تاريخي بعيد المدى، ويرون أنها بدأت قبل وقت طويل من 2001 وقطعت مرحلتين شبه منسيّتين، أما المرحلة الأخيرة، التي دامت حتى الآن 9 سنوات، فلا تمثّل سوى أقل من ثلث فترة القتال التي قضاها الأميركيّون وحلفاؤهم في بلاد الطوسي والأفغاني.
الأفغان، الذين هزموا البريطانيّين شرّ هزيمة، ينظرون إلى ثلاثة عقود من الحرب على أنها قصيرة في تاريخ هذه البلاد الموغل في القدم. تاريخ يمتدّ لأكثر من 6 آلاف عام، ويرون أن الإمبرطوريات التي غزتهم وتواصل عدوانها ستزول قبل ترويض ذئاب أوديتها المحفوفة بكل أنواع المخاطر.
والحرب الأفغانية هي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، وتدل على هوس غير مبرر. بدأت عام 1980 ولم تنته بعد العقود الثلاثة. هي حرب دخلت الطور الرابع من تحوّلاتها، بحسب الجنرال المعزول ستانلي ماكريستال.
المرحلة الأولى بدأت مع الغزو السوفياتي عام 1979 بتحالف سعودي باكستاني معروف، بالتعاون مع من وصفتهم الصناعة العسكرية السياسية الأميركية ـــــ السعودية بـ «المجاهدين». حينها لم تخض القوات الأميركية الحرب مباشرةً، بل كانت المخطط والمموّل والمدرّب لها مع الحلفاء الإقليميّين. اختتمت تلك المرحلة بانهيار الاتحاد السوفياتي وانسحابه عام 1989.
المرحلة الثانية، امتدت حتى 2001 بين الفصائل الأفغانية للسيطرة على السلطة. لم تشارك الولايات المتحدة فيها مباشرةً، بل من خلال الوكلاء المحليّين من حكومات وتنظيمات، في مقدمتهم باكستان. وتقبّلت فكرة قيام حكومة دينية في أفغانستان مكوّنة من الفصائل التي درّبتها، وبينها «حركة» طالبان، التي نجحت في السيطرة على السلطة عام 1996. حركة كانت شديدة التحالف مع «القاعدة»، التنظيم الذي دخل في صراع مع الحكم في السعودية.
ووقع الهجوم على الولايات المتحدة في 11 أيلول 2001، لتدخل الحرب المرحلة الثالثة بعد 6 أيام فقط على الهجوم، وتكون المرة الأولى التي تشارك فيها القوات الأميركية متحالفة مع خصوم «طالبان» المحليّين، وفي طليعتهم تحالف الشمال، وأحزاب بعضها كان متحالفاً مع الروس وآخر مع إيران وثالث مع الهند. هؤلاء جمعهم العداء لـ «طالبان» أكثر من المودّة للأميركيّين.
ورغم الحشد الأميركي، فإن معظم القوى المحاربة عام 2001 في الصف الأميركي بقيت أفغانية، حسب الدراسة التي نشرها موقع «ستارفور» الأميركي المتخصّص بالدراسات الجيوسياسية والاستخبارية. وزجّت القوات الأميركية قوات خاصة بين صفوف المقاتلين لتحديد أهداف للقاذفات الأميركية.
وبذلك رجحت كفّة تحالف الشمال، ما حمل قوات «طالبان» على التخلي عن المواجهة الخاسرة. وحافظت بهذا التكتيك على قوتها من الإبادة في أيّ مواجهة، لتعيد رسم قواعد اللعبة بشن حرب عصابات على امتداد البلاد، ولا سيما في الجانب الشرقي.
ولم تنجح الولايات المتحدة في إبعاد «طالبان» كلياً، لكنها أبعدت تنظيم «القاعدة» من البلاد إلى اليمن والصومال ومناطق أخرى، من دون أن تهزمه.
محلّل «ستارفور» عزا عجز الولايات المتحدة عن إحراز نصر حاسم على «طالبان» إلى «نقص القوات القادرة على التعرف إلى «طالبان» تعرّفاً كاملاً، والاشتباك معها وتدميرها»، لكنها نجحت في إبعاد قوات «القاعدة» وتدميرها وجعلت بقيّة خلاياها منعزلة في مناطق نائية في باكستان، و«عطّلت قدرتها على شن هجوم بحجم 11 أيلول».
في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بقيت الأهداف محدودة، أوّلاً بإبقاء «القاعدة» مقنّنة، وبإلحاق أفدح الخسائر بأفرادها. ثم تأليف حكومة أفغانية بغضّ النظر عن مدى ضعفها لأداء «دور رمزي»، وثالثاً شنّ عمليات محدودة ضدّ «طالبان»، من دون أن ترقى إلى مستوى الملاحقة الشاملة. قبلت واشنطن أنها لن تتمكن من تأليف تحالف كبير يسيطر على البلاد.
في المرحلة الرابعة من الحرب، قرّر الرئيس الجديد باراك أوباما اتّباع استراتيجية امتنع بوش عن تطبيقها بالكامل. إنها إعادة التركيز على أفغانستان، والابتعاد عن العراق. ورأى أنّ أفغانستان تحتل مركز الصدارة في الاستراتيجية الإقليمية لكونها تمثّل معقلاً لتنظيم «القاعدة»، فضلاً عن تأثيرها السلبي على باكستان. وانتقل من هذا الفهم إلى زجّ المزيد من القوات الأميركية في القتال على الأرض. وهذا هو أهمّ تحوّل في مجرى حرب الثلاثين عاماً.
ورأى محلّل «ستارفور» أن أهداف أوباما لا تزال محفوفة بالغموض، مستخلصاً أنه يرمي إلى حرمان «القاعدة» مراكز في البلاد، وثانياً إيجاد استراتيجية خروج شبيهة بما اتُّبع في العراق، بمعنى تهيئة ظروف تفاوضية مع «طالبان» بما يكفل عدم عودة «القاعدة»، والبدء بالانسحاب في العام المقبل. لهذا كان بحاجة إلى زيادة القوات، ومضاعفة الضغط على «طالبان» لفصلهم عن وسطهم الشعبي القبلي.
لكنّ المحلّل يرى أن استراتيجية الولايات المتحدة في هذه الدولة القارية محفوفة بالمخاطر، أبرزها صعوبة وصل خطوط الإمدادات والاستفادة من الثروات المعدنية الطائلة التي كُشف عنها في بيئة معادية. إضافةً إلى أنّ بُعدها عن البحار يجعلها قليلة الشأن من النواحي الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
وهذا ما يفسر عدم حماسة قوى الأطلسي الأخرى للتضحية من أجل السيطرة عليها. ونصح بالانسحاب في أقرب وقت ممكن لأنه لا يجوز زجّ كل الاحتياط الأميركي في معركة واحدة، وعدم ترك أيّ احتياط لـ «الخطر المفاجئ».