لندن ــ ملاك خالد

موجة الغضب الشعبي لم تترك مجالاً لقاطني «10 داونينغ ستريت» لتجاهل ما حدث في عرض البحر قبالة شواطئ غزة. الجماهير التي ملأت الشارع منذ ظهر يوم الاثنين، لا تزال تترقّب موعد التظاهرة المقبلة يوم السبت لترفع الصوت عالياً.
الموقف الرسمي للمملكة، الذي عبّر عنه رئيس الوزراء البريطاني جايمس كاميرون باعتباره العملية الإسرائيلية ضد أسطول سفن الحرية «غير مقبولة»، لا يرضي الشارع الإنكليزي الذي يطالب بطرد السفير الإسرائيلي من البلاد.
فبريطانيا التي أرسل ناشطوها سفينة ضمن أسطول الحرية، استيقظت يوم الاثنين، كما كل العالم، على وقع الصدمة. منذ السادسة صباحاً، بدأت الدعوات إلى التظاهر أمام مقر رئاسة الوزراء بالانتشار عبر البلاد، عبر الفايسبوك وتويتر. الآلاف الذين احتشدوا في لندن عند الثانية ظهراً جاؤوا مذهولين فعلاً. هذه المرة رأوا كلّ شيء، إما مباشرة وإما عبر إعادة بثّ القناة التركية التي كانت ترافق سفينة الركاب الأكبر «مرمرة».
التظاهرة التي بدأت يوم الاثنين، باتت تتكرّر يوميّاً. شعاراتها من كل ألوان الطيف الذي يصبغ مزاج الشارع: إسلاميون، شيوعيون، عمّاليون، محافظون، جمعيات مثليي الجنس وحاخامات اليهود الأرثوذكس. وشعاراتها التي كُتبت على اللافتات تحوّلت إلى هدير منتظم: اطردوا السفير الآن، أوقفوا دعم إسرائيل، إسرائيل قاتلة السلام، الحرية لغزة، ومن النهر إلى البحر فلسطين حرة.
الدكتورة سويي انج، الطبيبة التي شهدت على مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر عملية الرصاص المصبوب في غزة عام 2009، كانت حاضرة في التظاهرة. وقالت لـ«الأخبار» إنّ ما حدث لأسطول الحرية لم يفاجئها، فقد كانت تتوقعه في كلّ مرة أبحرت فيها السفن إلى غزة. وتضيف أنّ التظاهرات لم تعد كافية للضغط على الحكومات لتبدأ بنهج مختلف في التعامل مع دولة «الأبارتهايد الأخيرة في قرارنا هذا، لذا أريد أن يعلم الناس أنّ بإمكانهم الامتناع عن دفع الضرائب، وسنقوم بحشد الجهود عبر مختلف الجمعيات بهدف التوعية على القانون الرقم 7 الذي يمنح الأفراد حق أن يقرروا مصير ضرائبهم التي يدفعونها من تعبهم وعرقهم لتُقدم على شكل مساعدات جاهزة إلى قتلة ومجرمين».
السفارة الإسرائيلية باتت المركز الأساسي لتجمّع المتظاهرين، وسط مخاوف المنظّمين من تكرار سيناريو العنف الذي حدث خلال التظاهرات الاحتجاجية على عملية الرصاص المصهور أوائل عام 2009.
يلتقي الناشطون أمام السفارة الإسرائيلية يومياً، حتى يوم السبت. وباتت التجمعات مركز استقطاب للعديد من الداعمين للقضية الفلسطينية والمناهضين لإسرائيل والغاضبين من عدوانها على سفن الحريّة.
الأطفال مع أهاليهم يشاركون أيضاً، ويرفعون أعلاماً فلسطينية صغيرة. أحدهم ابن لناشط على الأسطول، يرفع لافتة مكتوبة بخط اليد: هل يمكن أحداً أن يقول لي ما هي مصائر آبائنا، أطفال غزة وأنا؟
ثمة من يرفع علم حزب الله وعلم لبنان. الرجل ينتمي إلى الحزب الشيوعي البريطاني. يقول «أرفع علم حزب الله لأنّه حزب مقاومة، وعلى إسرائيل أن تفهم أن كلّ أشكال المقاومة مشروعة ومقبولة من قبل شعوب العالم لإنهاء الاحتلال».
لا تقتصر التظاهرات على لندن. في برمينغهام حصلت تظاهرة ضخمة، أغلب من شارك فيها طلاب. لم يكفّ شاب إيرلندي عن الهتاف حتى تعطّل المايكروفون: «لي أصدقاء على ظهر تلك السفن، وبلادي أرسلت سفينة محمّلة بالمعونات التي جمع أطفال المدارس في إيرلندا ثمنها دعماً لأطفال غزة. لا يمكن السكوت لإسرائيل عما تفعله بعد اليوم».
في مدينة أوكسفورد، إضاءة شموع وجمع تبرعات لحملة الإغاثة المقبلة إلى غزة. «لا نعرف ما إذا كان ثمة قوافل بحرية ستُنظّم من جديد بعد هذه المجرزة، ولكنّنا سنعمل على إيصال الكتب والأدوية ومواد البناء، وكلّ ما يمكننا أن نجمعه لأجل غزة، بأي طريقة حتى نكسر الحصار»، تقول ريبيكا سبارو، من منظّمي الفعالية الرمزية.
الغضب مستمر على إسرائيل عبر بريطانيا، ويستمر توافد ناشطين وأصدقاء وعائلات المتضامنين البريطانيين إلى مطار هيثرو الدولي لاستقبالهم، إثر وصول معلومات عن ترحيلهم من مطار بن غوريون. يقول آشلي انغلز، الناشط في أكثر من جهة ضد الاحتلال الإسرائيلي: «لا تفهم إسرائيل إلا مصلحتها. لقد أهانت كرامة الإنسانية كلها. أهانت هذا البلد تحديداً، وبوقاحة، مرتين هذا العام: حين اغتالت المبحوح بجوازات سفر بريطانية مزوّرة، واليوم حين تستهدف ناشطي سلام بالنيران الحيّة. آن لهذا كلّه أن يتوقف. سحب استثمارات، مقاطعة أكاديمية، تمنّع عن دفع الضرائب، نفعل كلّ ما يجب كي نوقف هذا الكيان العنصري عن النموّ».