نوّاب في «العدالة والتنمية» يطعنون رئيسهم ويُسقطون تعديل حظر الأحزاب


أرنست خوري
كان يمكن توقّع أسوأ السيناريوهات في ما يتعلق بمصير مشروع التعديل الدستوري الذي طرحته حكومة رجب طيب أردوغان في 22 آذار الماضي. لكن، وحده خيال السينمائي إمير كوستوريكا كان بمقدوره توقّع أن يوجّه نواب حزب أردوغان، ضربة موجعة إلى مشروعهم، من خلال التصويت، أول من أمس، بـ«لا» على إحدى أهم المواد، أي تلك التي تحمل الرقم 8، والتي تعيد تنظيم قوننة حظر الأحزاب السياسية، لجعل الآلية أكثر ديموقراطية وأقل تسلّطاً وأقرب إلى المعايير الأوروبية.
ما حصل كان فضيحة، بما أنّ الغالبية البرلمانية المريحة هي بيد حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، الذي يحتل نوابه 337 مقعداً من أصل 550. ورغم ذلك، لم تنل المادة 8 سوى 327 صوتاً، ما يعني أنّ 10 نواب على الأقل من «العدالة والتنمية» لم يصوّتوا لمصلحتها، وبالتالي ستحذَف من مشروع القانون المرجَّح عرضه على استفتاء شعبي.
وكانت الجولة الثانية من التصويت قد بدأت يوم السبت، فأُقرّت 7 بنود من أصل 31، ومن المتوقَّع أن تنتهي هذه الجولة من التصويت يوم الجمعة المقبل. وفور حصول المفاجأة المتمثلة برفض بند آلية حظر الأحزاب السياسية، طُرحَت علامات استفهام حول مصير رزمة التعديل الدستوري، بما أن الحزب الحاكم أوضح، منذ البداية، أنه ينوي التعاطي مع التعديل الدستوري كرزمة متكاملة، أي «بالجملة» لا «بالمفرّق». لكن سرعان ما استبعد أردوغان سحب مسودة الإصلاح الدستوري، بما أنّ ذلك «ليس مدرجاً على جدول الأعمال»، وفق ما نقلت عنه وكالة الأناضول الرسمية. وفي السياق، طمأن النائب عن «العدالة والتنمية»، ظافر أوسكول، إلى أنّه سيجري إدخال هذا البند «الخاسر» في مشروع تعديل دستوري مستقبلي.
وأمام هذه الفضيحة، كثرت التأويلات التي حاولت تفسير إحجام نواب الحزب الحاكم عن تأييد تعديل هم تقدّموا به. البعض فسّر الأمر بكون التصويت في الدورة الثانية كان سرياً، وبالتالي لم يخضع النواب لضغط قيادة حزبهم. أما البعض الآخر، فأعاد إلى الذاكرة الملاحظة التي أدلى بها، رئيس الجمهورية، القيادي السابق في الحزب الحاكم، عبد الله غول، عندما وصل إليه نض مشروع التعديل؛ في حينها، حذّر غول من أنّ «بعض البنود غير مقبولة، ولا يمكن أن تمرّ». هكذا، يقول البعض إنّ جناح الرئيس غول في «العدالة والتنمية» معارض للصيغة المطروحة بخصوص قانون حظر الأحزاب، بالتالي فإنّ ما حصل في البرلمان، كان نقطة سجّلها غول وتياره ضدّ أردوغان. وإنّ صحّ هذا التقدير، فيكون أردوغان قد تلقّى خسارته الحزبية الكبيرة الثانية، بعد تلك التي ألحقها به غول في آذار 2002، عندما أقنع نواب حزبه برفض فتح الأجواء التركية أمام غزو العراق.

هتلر التركي

موقف كان محرجاً لا شك بالنسبة إلى عرّاب التعديل الدستوري، أردوغان نفسه، الذي بدا كأنه استشعر الضربة المؤلمة الآتية.
فعشية تلقّيه صفعة من نوابه، فجّر غضبه، أمام البرلمان، بأحد «قدّيسي» تركيا الحديثة، خليفة مصطفى كمال (أتاتورك)، أي الرئيس الثاني للجمهورية عصمت إينونو، الذي ليس سوى «نسخة تركية لهتلر» بحسب أردوغان. كلام كبير قد يكون مبرّراً بما أنه لم يصدر من رئيس الحكومة الحالية إلا لردّ التهمة عن نفسه، بما أنّ دينيز بايكال، رئيس حزب إينونو، «الشعب الجمهوري»، كان هو المبادر إلى وصف رئيس وزراء دولته بأدولف هتلر الجديد.
ورداً على بايكال، قال أردوغان «إذا كان عليهم (الشعب الجمهوري) فعلاً إيجاد شخصية سياسية تركية شبيهة بهتلر، فما عليهم سوى التدقيق في صور قادة حزبهم. سيجدون فيها زعيماً أراد أن يكون مثل الفوهرر (هتلر)، وأعلن نفسه زعيماً وطنياً وهو يضحك على شعبه من تحت شاربيه المستوحيين من شاربي هتلر».
كما أن الهجوم قد يكون مبرراً بالنسبة إلى طيف واسع من الشعب التركي ممّن لم ينسوا أنّ الرجل الذي نال شرف لقب «القائد القومي»، والذي كان، إلى جانب أتاتورك، المفاوض الأول في مفاوضات «اتفاقية لوزان» التي انبثقت عنها الجمهورية التركية من رحم السلطنة، كان رمزاً للتسلط المطلق. فـ«بطل حرب الاستقلال» (أحد ألقابه) هو مَن فرض الضرائب المرتفعة على أقليات تركيا في عهده. وهو مَن خيّر هؤلاء بين دفع «الجزية»، أو التوجّه إلى معسكرات عمل السخرة المشابهة لمعسكرات هتلر. وأخيراً، إينونو نفسه كان مَن فرض نظام الحزب الأوحد.
وحالما قال أردوغان كلمته، فُتح باب الشتائم على مصراعيه: «خائن، لا يحترم نفسه، يجب توبيخه...». جميعها مواقف نطق بها طبعاً نواب «الشعب الجمهوري» ومسؤولوه، الذين يعتقدون أنّ من حقهم شتم الجميع، من دون أن يكون هذا الحق متبادلاً.