لكل مجموعة إنسانية، على ما يبدو، كربلاء خاصة بها. في آذربيجان لها اسم مختلف. هنا تُدعى ناغورنو كاراباخ، أي «مرتفعات الحديقة السوداء». إقليم تؤكد باكو أنه جزء لا يتجزأ من أراضيها تحتله أرمينيا منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي ومعه بضع قرى أخرى، فيما تقول يريفان إنه إقليم أرمني بدليل هوية سكانه


باكو ــ إيلي شلهوب
صراع عمره قرون تتداخل فيه عوامل الجغرافيا والعرق والديني مع مصالح إمبراطوريات وأطماع أخرى في منطقة تُعدّ من الأكثر غنى بالموارد الأوّلية، وخصوصاً النفط والغاز. تتعامل معه سلطات باكو كأنه «صليبها». هي مقتنعة بأن العالم كله توافق على دعم «الجلاد» لانتزاع قطعة عزيزة من «الضحية». نحيب متواصل يخاطب تارة المجتمع الدولي على أمل إقناعه بـ«عدالة» هذه القضية، ويحاكي طوراً الداخل الآذربيجاني بهدف رص الصفوف في مواجهة العدو الأرمني، ولتبرير تبدد جزء من الثروة النفطية بحجة أنه يذهب لإعالة أكثر من مليون مشرّد بسبب هذا النزاع.
هو باختصار عنوان كل خطوة أو تحرك أو مشروع في آذربيجان. الدليل الهادي لكل مسؤول أو مواطن. الإطار الناظم لعمل الدولة، بأجهزتها كلها. الموارد الأوّلية والاقتصاد والدبلوماسية والثقافة والموسيقى والأدب والرسم و... كلها مسخّرة لهدف واحد: استعادة ناغورنو كاراباخ.
غاية ترى باكو، التي تحاجج بمبدأ «وحدة الأرض» فيما ترفع الثانية لواء «حق تقرير المصير»، أنها تمتلك كل المقوّمات لتحقيقها: اقتصاد ينمو باطّراد، ثروة تزداد تراكماً، اصطفاف شعبي خلف هذا «المطلب القومي»، علاقات دولية جيدة، وخاصة مع أوروبا التي يبدو واضحاً أنها تزحف لإرضاء آذربيجان. المؤكد أن باكو لا تجرؤ، بما تمتلكه من براغماتية، على مجرد التفكير في الخيار العسكري لتحقيقها.
هذا ما يشدد عليه نائب وزير الخارجية الآذربيجاني حافظ بشاييف. «لسنا عدوانيين»، لازمة ترافق حديثه عن ناغورنو كاراباخ. يقول «في سنوات الاستقلال الأولى، خسرنا المعركة مع أرمينيا لضعف دبلوماسيتنا. نجح اللوبي الأرمني في تصوير الضحية جلاداً والجلاد ضحية». يضيف «لسوء الحظ، قرارات الأمم المتحدة (وعددها أربعة) غير كافية لإجبار أرمينيا على الانسحاب. لا تملك المنظمة الدولية الأدوات لتطبيقها ولا هي راغبة في ذلك».
غير أن بشاييف يؤكد أن باكو «حاسمة في الدفاع عن وحدة أراضيها وعلى أرمينيا ألا تتوقع شيئاً آخر من آذربيجان. لا مشكلة في الحكم الذاتي لكاراباخ، لكن السؤال إلى أي مدى»، مشيراً إلى أنه «قبل الحرب، كان 70 في المئة من قاطني كاراباخ من الأرمن والبقية من الآذريين. ليس كل منطقة يقطنها أرمن يجب أن تحصل على الاستقلال. اللاعب الأساس هو المجتمع الدولي... ونعتقد أن روسيا يمكن أن تقوم بالمزيد».
لعلّ أصول مشكلة الآذريين مع الأرمن تعود إلى الفتح الإسلامي، يوم دخل العرب آذربيجان أيام الخليفة عمر بن الخطاب. وقتها أعطوا الأرمن القاطنين في هذه المنطقة وضعاً خاصاً، باعتبارهم أهل ذمة قرروا أن يدفعوا الجزية. وضع تعزز في عهد العثمانيين الذين كانوا يطلقون على الأرمن تسمية «مللت صادقة» أي «الشعب الصادق».
لكنّ الأمور اختلفت مع اشتداد الصراع بين الإمبراطورية العثمانية وقياصرة روسيا. انقسم الأرمن إلى فئتين: واحدة قالت بإمكانية العيش مع الأتراك من دون مشاكل، فيما قالت الثانية بالوقوف مع الروس ضد العثمانيين على قاعدة «لنا ديننا ولهم دينهم».

أذربيجان حاسمة في الدفاع عن وحدة أراضيها وعلى أرمينيا ألا تتوقّع شيئاً آخر منها
في بداية القرن الثامن عشر، أخذت روسيا تهيمن على شمال آذربيجان (أي آذربيجان الحالية) فيما كان الفرس يسيطرون على الجزء الجنوبي منها (تبريز). إمبراطوريتان اتفقتا في القرن التاسع عشر على تقاسم هذا البلد عبر معاهدتين؛ غوليستان (1913) وتوركمانشاي (1928) التي سيطرت بموجبها روسيا على إقليم ناخيشيفان في منطقة طالش الجبلية. في هذه الفترة، كان تأثير روسيا على الحياة اليومية للآذربيجانيين شبه معدوم قياساً بنفوذ العثمانيين والفرس. وفي محاولة لزيادة نفوذهم في المنطقة، قرر الروس، على ما يبدو، إقامة محمية عرقية دينية موالية لهم، فطلبوا من الأرمن المقيمين في أراضي الإمبراطوريّتين الفارسية والعثمانية أن يستوطنوا منطقة ناغورنو كاراباخ.
لكن بدء استخراج النفط من آذربيجان في نهاية هذا القرن أدى إلى تدفق الروس إلى باكو، ما زاد من تأثيرهم في اقتصادها المتنامي. هنا أدى الأرمن دوراً مهماً كتجار وضباط في الجيش الروسي، بينما كان الروس يحتكرون الصناعة النفطية والآذربيجانيون يعملون على نقل هذه المادة الحيوية من بحر قزوين.
في عام 1905، انفجر التوتر الاجتماعي بين الآذربيجانيين والأرمن اضطرابات وأعمال شغب أدت إلى قتلى ودمار؛ أبناء البلد يتصارعون مع الأرمن على السيطرة المحلية، ويحاربون الهيمنة الروسية على بلادهم.
لا شك في أن أحداث 1915 تمثّل النقطة الأكثر محورية في علاقة الأرمن بالآذربيجانيين. وقتها ظهر «الأتراك الجدد» في الآستانة، حيث انقلبوا على السلطان عبد الحميد، ما أدخل السلطنة في أتون حرب أهلية استعرت في خضم حرب عالمية وقف في خلالها جزء من الأرمن مع روسيا وبريطانيا. وقعت المجازر الشهيرة التي يعدّها الأرمن «إبادة جماعية» أودت بـ5 ملايين قتيل، فيما يتحدث الأتراك عن آلاف القتلى من الأرمن والأتراك الذين راحوا ضحية حروب ذاك الزمن.
عام 1918، مع انهيار السلطنة وظهور تركيا الكمالية، قامت الجمهورية الديموقراطية الآذربيجانية بقيادة محمد أمين رسول زادة بالتزامن مع إعلان مجموعة من الأرمن والروس البلشفيين جمهورية ماركسية في آذربيجان. عندها، زحف ضابط تركي يدعى نوري باشا على رأس جيش من المتطوعين الأتراك والداغستانيين وبعض الآذربيجانيين (سمّي «جيش الإسلام»)، ليحارب البلشفيين في باكو، حيث تمكن من فرض السيطرة إلى أن انتهت الحرب وانهزم الأتراك، فتسلّم البريطانيون مؤقتاً زمام الأمور في آذربيجان.
لم تعمّر الجمهورية الديموقراطية الآذربيجانية سوى 18 شهراً، دخل بعدها الجيش السوفياتي آذربيجان بقوة الحديد والنار في 1920، وذلك في خضم مفاوضات كانت تجريها باكو للاتحاد مع بلاد فارس لدرء الخطر الروسي. لم يواجه الجيش الغازي أي مقاومة تذكر لانشغال الآذربيجانيين وقتها بقمع حركة انفصالية أرمنية كانت تحاول الاستقال بناغورنو كاراباخ. المهم في كل ذلك، والذي لا يزال حاضراً في الذاكرة الآذربيجانية إلى اليوم، هو اقتناع الآذربيجانيين بأن الأرمن الذين هربوا من مذابح 1915، انتقلوا إلى روسيا عبر جورجيا ودخلوا مع الجيش السوفياتي آذربيجان، حيث انتقموا من السكان المحليين.
بقي الوضع على ما هو عليه طيلة فترة الحكم السوفياتي: حقد متبادل بين الأرمن والآذربيجانيين ممنوع من الصرف في الميدان بحكم القبضة الحديدية السوفياتية (باستثناء اضطرابات ضُبطت بسرعة في 1948 و1953)، وناغورنو كاراباخ إقليم يتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1924 ضمن الجمهورية الآذربيجانية، إلى أن طفت اضطرابات عام 1988، مع بدء إرهاصات تفكك الاتحاد السوفياتي: الجبهة الشعبية الآذربيجانية القومية المعارضة تقود سلسلة من التظاهرات والإضرابات ضد الحزب الشيوعي الحاكم. غوغاء آذربيجانيون يهاجمون النقاط الحدودية مع إيران ويعبرون باتجاه تبريز. أرمن ناغورنو كاراباخ يطالبون بالانضمام إلى أرمينيا ويبدأون بتأليف مجموعات من الفدائيين مدعومة من يريفان التي تعدّ الإقليم أرضاً أرمنية. مجموعات تعتدي على الآذربيجانيين الذين غادر نحو مليون منهم أرمينيا وكاراباخ إلى آذربيجان، حيث شنّ الأهالي أيضاً موجة اعتداءات ضد الأرمن المقيمين في هذه الجمهورية. هناك اقتناع في باكو بأن الاستخبارات الروسية، ومعها الاستخبارات الأرمنية، حرّضت الأرمن على الانقضاض على الآذربيجانيين، في محاولة لمنع باكو من مغادرة الفلك السوفياتي والانضمام إلى تركيا وحلفها الأطلسي.
تبادل مجازر واضطرابات ونزعة انفصالية في آذربيجان بلغت حداً بدأ يهدد الحكم الشيوعي، ما دفع بموسكو في عام 1990 إلى إرسال وحدات خاصة لإعادة فرض النظام وقمع الحركات القومية، وإلى التنسيق مع إيران لضبط الحدود. النتيجة: 137 قتيلاً و744 جريحاً آذربيجانياً. بعدها بعام، في كانون الأول 1991، استفتاء في ناغورنو كاراباخ أقرّ تحويله إلى دولة مستقلة طلبت اعترافاً دولياً. كانت آذربيجان قد استقلّت قبلها بشهرين، من خلال استفتاء مشابه جرى في تشرين الأول.
مع نيل أرمينيا وآذربيجان لاستقلالهما، اندلعت حرب شعواء بينهما استمرت حتى عام 1994 وراح ضحيتها أكثر من 30 ألف قتيل. ويعتقد الآذربيجانيون أن المحرّض الأساس كان روسيا وإيران اللتين دعمتا أرمينيا بالمال والسلاح. الأولى، التي تعدّ أرمينيا «حاملة طائرات» لا تغرق وتنشر فيها نحو 100 ألف جندي، للأسباب السالفة الذكر، يضاف إليها اعتقاد البعض بأن بعض أهداف هذه الحرب كان عرقلة مفاوضات نفطية كانت تجريها باكو توّجت في عام 1994 اتفاقاً عُرف بـ«عقد القرن». أما الثانية، أي طهران، فكانت تستهدف تأديب القوميين الآذربيجانيين الذي طالبوا بـ«استعادة تبريز» وضمان كسر شوكة الجمهورية الوليدة خشية تأثيرها على نحو 21 مليون آذربيجاني يقطنون إيران. في المقابل، دعمت أوكرانيا وتركيا آذربيجان التي ظهر فيها السلاح الإسرائيلي علناً.
لكن مع اشتداد الأعمال القتالية، وظهور المخاوف من خطر انتقالها إلى دول الجوار، ضغطت كلاً من تركيا وإيران على يريفان لوقف الأعمال العسكرية التي يبدو أنها حققت غايتها من وجهة نظر طهران، على ما أظهره خطاب الرئيس الجديد حيدر علييف وطريقة معالجته للأمور. أنقرة عززت قواتها عند الحدود التي سبق أن أغلقتها مع أرمينيا، مطالبة بانسحاب فوري وغير مشروط من الأراضي الآذربيجانية، فيما أجرت طهران مناورات نُظر إليها على أنها موجهة ضد أرمينيا، آخذة على عاتقها رعاية نحو 200 ألف مهجّر آذربيجاني. كان قد سبق لهاتين العاصمتين أن حذّرتا أرمن ناغورنو كاراباخ بضرورة وقف النار.
الحرب طبعاً لم تضع أوزارها بعد. على الأقل هذا ما يؤكده الآذربيجانيون الذين يقولون إنهم في حالة هدنة مع أرمينيا وقّعها حيدر علييف الذي كان السبّاق إلى مفاوضة أرمن كاراباخ مباشرة، خلافاً لأسلافه القوميين. قنوات التفاوض متعددة، تتصدّرها «مجموعة مينسك». كذلك أمر الحلول المطروحة على الطاولة، والتي لم تجد من يقبل بها بعد، لتعارضها مع مصالح طرف أو آخر.


حكومة يريفان واللوبي الأرمنيفي الخلاصة، ترى باكو أن حكومة يريفان تجلس في الحضن الروسي وتقيّدها رغبات اللوبي الأرمني الذي ينغّص على باكو علاقتها بواشنطن. تسعى جاهدة لاختراق أروقة القرار الأميركي. تغازل أوروبا عبر جزرة «النفط والغاز» وتلاعب الجوار. ساحة معركتها المجتمع الدولي الذي تتطمح إلى أن تؤلف في صفوفه جبهة ضاغطة تحقق لها حلمها في «استعادة ناغورنو كاراباخ».


جمهورية الأب والابن... وباقي أفراد العائلةدولة قوقازية بوليسية تترعرع في أحضان الغرب، تحكمها عائلة واحدة منذ 42 عاماً. «أب» زعيم وابن ورث الزعامة وأقارب تتضخم ثرواتهم وشعب يلهث وراء لقمة العيش. ضمان الاستمرارية تختصره معادلة «النفط مقابل الحماية»
ربما العبارة الأكثر إثارة للضحك بالنسبة إلى زائر باكو، وصف بعض الأذربيجانيين، من المحسوبين على السلطة طبعاً، بلادهم بأنها «جمهورية ديموقراطية». يتوهمون أن هذا هو السبب الذي لأجله «يُحارَبون»، وفي سبيله طار ناغورنو كاراباخ. يتحدثون عن جمهورية في بلاد يحكمها آل علييف منذ عام 1969، ما عدا فترة قصيرة لا تتعدى بضع سنوات. بل إن الدستور عدل بما يسمح للرئيس بأن يترشح لهذا المنصب إلى ما لانهاية. يتشدقون بالديموقراطية في ظل انتخابات يصفها الجميع بأنها «مزورة» ونتائجها تحاكي ما يجري في «الديموقراطيات العربية» التي لا ترضى بفوز بأقل من 99 في المئة، تسارع بعده أجهزة الاستخبارات للبحث عن الواحد في المئة المفقود، على ما تصوره المسرحية الشهيرة.
بلاد كل خطوة فيها محسوبة بدقة. دولة بوليسية بكل ما للكلمة من معنى. صور «الأب» المؤسس، الزعيم المفدّى، حيدر علييف، منتشرة في كل مكان، ومعها تماثيله. لا وجود لمعارضة، ولو صورية. أسماء أحزاب يتجاوز عددها 40 حزباً، ويتصدرها حزبا «المساواة» و«الديموقراطي»، لكن لا طعم لها ولا لون. الحزب الحاكم، «الحزب الأذربيجاني الجديد» الذي تأسّس بعد عودة حيدر علييف إلى السلطة في 1993، يسيطر على أكثر من 95 في المئة من مقاعد البرلمان. هو باختصار حزب الرئيس الذي لا ينتمي إليه، بحسب الدستور الذي يشترط من رأس الهرم ألا يكون حزبياً، بل حكم فوق الجميع.
كانت هناك، في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، آمال على حزب إسلامي خيوطه تصل إلى طهران. لكنه لم يصمد أمام جبروت نظام علييف الذي يحتكر البلاد منذ عام 1995.
حكاية الرئيس الحالي إلهام علييف مع القمع بدأت منذ تسلمه السلطة خلفاً لأبيه في تشرين الأول 2003. وقتها، خرج آلاف الأذربيجانيين إلى الشوارع ينددون بتوريث الحكم، فما كان من علييف الابن، الذي بلغ منصبه في انتخابات يؤكد أهل البلد أنها كانت مزورة، إلا أن ألقى بأجهزته الأمنية التي عاثت في التظاهرات ضرباً واعتقالاً. ومع ذلك، جاءته التهنئة سريعاً من ريتشارد أرميتاج، نائب وزير الخارجية الأميركي في ذلك الحين، بانتصاره «الساحق». تكرر الأمر في 2005، يوم ألهمت الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا الأذربيجانيين، فخرجوا إلى الشوارع ينددون بنتائج «الانتخابات المزورة». النتيجة: ضرب واعتقالات وإشادة أميركية بعملية الاقتراع. وفي الحالين كانت الصحافة مكبلة، والصحافيون يتلقون التهديدات، بل إن بعضهم قتل بالرصاص.
فساد العائلة الحاكمة متعدّد الأوجه. يبدأ بالرشى لإبرام العقود النفطية إلى العمولات لتلزيم مشاريع في الداخل ولا ينتهي بفرض شراكة بعض أفرادها في المشاريع الناجحة، بل هو طال الأطفال أيضاً. حيدر علييف الحفيد (11 عاماً) وأختاه ليلى وأرزو علييفا يمتلكون عقارات في دبي تساوي نحو 75 مليون دولار، علماً بأن راتب أبيهما لا يتجاوز 228 ألف دولار سنوياً، على ما أفادت وسائل الإعلام الأميركية أخيراً.
وعلى غرار جميع الأنظمة الديكتاتورية في العالم، تجد في أذربيجان الثروة متركزة في أيدي قلة من حاشية الرئيس ومن يدور في فلكهم، فيما يعاني باقي الشعب الأمرين: فقر وقمع. هو موعود بالثروة النفطية الآتية، التي يبدو واضحاً أنها بدأت تأخذ طريقها إلى جيوب أصحاب الحظوة من المقربين من «العائلة». حتى المشاريع النهضوية تبدو حكراً على مؤسسة حيدر علييف، التي ترأسها السيدة الأذربيجانية الأولى، مع ما يستبطنه ذلك من أوجه فساد وإفساد.
الحكاية بدأت مع حيدر علييف الأب، الذي عيّنه ليونيد بريجنيف أميناً عاماً للحزب الشيوعي الأذربيجاني، وبالتالي حاكماً للجمهورية الأذربيجانية في 1969، واستمر في منصبه حتى أقاله ميخائيل غورباتشيف في 1987 لأسباب صحية، قبل أن توجه إليه تهم فساد.
مع نيل أذربيجان لاستقلالها، أجرت في 1992 أول انتخابات ديموقراطية فاز على أثرها أبو الفضل التشيبي بـ59 في المئة من الأصوات. كان ينظر إلى نفسه على أنه أحد ورثة مؤسسي «الجمهورية الديموقراطية الأذربيجانية» لعام 1918 التي أقرت بحق الاقتراع العام، للذكور والإناث، قبل الكثير من الدول الغربية. لكن فترة حكمه كانت سيئة للغاية، شهدت اضطرابات كادت تهدد بانهيار الجمهورية الوليدة. فتح معركة مع إيران حول تبريز. وافتعل مشكلة في الشمال مع الحركة القومية اللازيغية، وفي الجنوب مع أقوام داغستان في طالش من ذوي الأصول الفارسية. هؤلاء وأولئك طالبوا بالانفصال رداً على النزعة القومية الأذرية التي استملكت سلطات باكو والتي نبذت القوميات الأخرى وفق شعار «على غير الأذريين العودة إلى بلادهم الأصلية». فضلاً طبعاً عن حرب ناغورنو كاراباخ التي عمقت هذه الاضطرابات وسبّبت سقوط عدة حكومات.
التشيبي الذي كان يتزعم الجبهة الشعبية الأذربيجانية القومية لم يكمل عاماً واحداً في الرئاسة. في منتصف حزيران 1993، أجبر على الفرار من باكو على أثر تمرد قادة ضباط في الجيش استدعي على أثره حيدر علييف لتولي مقاليد الحكم الذي لم يغادره إلا على النعش في 2003.
نجاح علييف في ضبط الأوضاع يعود طبعاً إلى عدة عوامل، تتصدرها الصفقة التي عقدها مع الأميركيين والأوروبيين والقائمة على معادلة: النفط في مقابل الحماية. ينسب إليه الأذربيجانيون فضل وقف الحرب مع أرمينيا، والنهضة الاقتصادية، وتحسن الوضع المعيشي، والأهم عودة الأمن إلى ربوع البلاد. هذا يفسّر شعبيته المرتفعة بين الأذربيجانيين الذي يحمّلونه أيضاً مسؤولية نشر الفساد في بلادهم.


صراع أبجديات

مع دخول العرب أذربيجان في القرن السابع، بعد أربعة قرون على سيطرة الفرس عليها، جلبوا معهم شيئين لا يزالان يرافقان سكان هذه البلاد: الإسلام واللغة العربية، التي أخذت منها اللغة الأذربيجانية الحرف و40 في المئة من مفرداتها.
عام 1924، ضغط السوفيات من أجل الاعتماد التدريجي للحرف اللاتيني المعدل، في خطوة بدا واضحاً أن موسكو تستهدف من خلالها عزل هذا الشعب عن محيطه الثقافي الإسلامي. لكن السوفيات أنفسهم، مع حلول الثلاثينيات، عدلوا سياستهم تلك وأدخلوا الحرف السلافي الذي تكتب به اللغة الروسية والذي أصبح الحرف الرسمي في أذربيجان في 1940. يقول البعض إن اعتماد الأتراك الحرف اللاتيني المعدل ربما كان سبب قرار ستالين اعتماد الحرف السلافي الذي سهّل على الأذربيجانيين تعلم الروسية.
بقي الوضع على هذه الحال إلى أن انهار الاتحاد السوفياتي. وقتها عاد النقاش حول الحرف. ويقال إن إيران ضغطت من أجل العودة إلى اعتماد الحرف العربي، في محاولة لتوسيع نطاق الثقافة الإسلامية. لكن معظم المثقفين الأذربيجانيين رفضوا ذلك، تحت عنوان أن طهران لم تسمح بتعلم اللغة الأذربيجانية شمال إيران. كان الحل بالعودة إلى الحرف اللاتيني الذي تعتمده تركيا والذي أصبح رسمياً بقانون في 1991.

اهتمام بالعرب ولغتهم

يفاجأ زائر باكو بهذا الاهتمام لدى البعض بالعرب ولغتهم. بعض وسائل الإعلام يقدم خدمة خاصة باللغة العربية، في مقدمتها وكالة «ترند» للأنباء، علماً بأن الجالية العربية تعد بالعشرات في أذربيجان. قسم خاص بالشرق الأوسط، يرأسه روفيز حافظ أوغلو (الصورة)، الذي يؤكد استقلالية مؤسسته. ويشير إلى أن اتكالها الأساس، في خدمتها العربية، هو على اشتراكات السفارات العربية التي تعتمد مواد «ترند» عنصراً أساساً في التقارير الدبلوماسية التي ترسلها إلى عواصمها.