نيويورك ـ نزار عبود

لم يمض أسبوعان على التوافق الروسي الأميركي بشأن الأسلحة النووية وتقليص ترسانتيهما، حتى بدأت تظهر نتائج التوافق من خلال ورقة مشتركة ستقدم في مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار السلاح النووي الذي سيعقد في الأمم المتحدة، الاثنين المقبل. والمؤتمر الذي سيحضره الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، إلى جانب أكثر من 40 وزير خارجية ومسؤولين كبار من مختلف الأعضاء في المعاهدة، ستغيب عنه إسرائيل لكونها ليست عضواً، ولا تريد لفت الأنظار إلى تهديدها للسلم والأمن الدوليين. غياب استبقه وزير دفاعها إيهود باراك، الذي يقوم بزيارة إلى الولايات المتحدة، بلقاء جمعه مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ركّز خلاله على الشأن النووي.

وكان لافتاً مضمون الورقة الأميركية ـ الروسية التي حصلت «الأخبار» على نسخة منها، وما تضمنه من تحيّز لمصلحة إسرائيل على حساب العرب. وطالبت الورقة الدول التي لم تنضم إلى المعاهدة، مثل إسرائيل، دون تسميتها، بالانضمام إليها، كما طالبت الدول التي انسحبت من المعاهدة مثل ليبيا والعراق بالانضمام أيضاً.

وأقرّت بـ«أهمية إنشاء شرق أوسط خال من شتى أنواع أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك النووية ووسائط نقلها»، في إشارة صريحة إلى الصواريخ البالستية لدى الدول العربية.

وربطت الورقة نزع السلاح النووي الإسرائيلي بـ«تحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط»، رغم عدم وجود أي صلة بين الأمرين، وبـ«الالتزام التام من كل دول المنطقة بكل المعاهدات المتصلة بنزع السلاح، ولا سيما معاهدة الأسلحة البيولوجية والكيميائة»، وبـ«الانضمام إلى معاهدة منع التجارب النووية»، وجميعها لا تخضع إسرائيل لها.

كذلك، طلبت الورقة من كل دول المنطقة «التزاماً طوعياً بعدم إيجاد أو تطوير قدرات لتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المنضّب كإجراءات لبناء الثقة الرامية إلى تطبيق قرار 1995». وعرضت تأمين مراكز دولية للحصول على الوقود النووي. ودعت المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، إلى تنظيم مؤتمر قبل نهاية العام الحالي لمناقشة جعل الشرق الأوسط منطقة منزوعة من أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها.

وفي حديث إلى «الأخبار»، رأى مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، أن الاتفاق الأميركي الروسي بعد اتفاقية التسلّح بينهما «يرسم خطة عمل جديدة ترمي إلى مساعدة إسرائيل على التملّص، بمعايير غير محددة زمنياً أو مكانياً، من واجباتها النووية». ورأى أنه «لا علاقة للورقة بمؤتمر 95 الذي حمل قرار الشرق الأوسط».

وأضاف الجعفري، «يريدون نزع القدرة الصاروخية لبعض الدول، وهي أسلحة دفاعية. ومن المتوقع إثارة عدة مسائل لها علاقة بالدول الأخرى غير إسرائيل».

وتساءل الجعفري عمّا تضمّنته الورقة من دعوة الدول للانضمام إلى البروتوكول الاختياري القاضي بالتفتيش الدائم والمتواصل المفاجئ لكل المنشآت النووية، قائلاً «لمَ يريدون جعله إجبارياً؟».

ورأى في منع التخصيب للأغراض المدنية خرقاً للمادة الرابعة من معاهدة منع الانتشار، وتحوّل الدول الإقليمية إلى زبائن لسوق الطاقة النووية التي تحتكرها الدول نفسها. وقال «هذا يحرم الدول الأعضاء حق امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية. وهناك من يريد أن يقيّد المادة العاشرة المتعلقة بالانسحاب من المعاهدة. وهو شأن وطني يتعلق بالسيادة».

واتهم الجعفري الدول النووية بانتهاك المادتين الأولى والثانية من معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، لكونها تساعد إسرائيل «الطرف الوحيد الذي يمتلك ترسانة عسكرية نووية في المنطقة ويرفض وضع منشآته تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتوفّر لها المواد النووية».

ورأى الجعفري أن الورقة المشتركة لم تكن مفاجأة عندما تتحدث «عن عودة العراق وليبيا إلى معاهدة منع الانتشار النووي». أما التسوية السلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي التي تنادي بها الورقة شرطاً من شروط بناء الثقة لتطبيق قرار الشرق الأوسط المتعلق بنزع السلاح النووي، فرأى مندوب سوريا «أنها ليست بيت القصيد في الورقة».

وأضاف أن البرنامج النووي الإيراني سيكون أكثر القضايا المطروحة جدلاً، على أساس أن الدول الكبرى تحاول الإيحاء بـ«وجود خطرين نوويين في الشرق الأوسط»، وبذلك لا يُركّز على إسرائيل ولا يُسلّط الضوء على قدراتها النووية. وأوضح أن القصد «إبعاد الأنظار عن محورية الخطر النووي الإسرائيلي». وتوقع الجعفري «أن يثير البعض وجود برنامج نووي سوري، ونحن من وقّع معاهدة عدم الانتشار عام 1969، والتزمنا بها التزاماً كاملاً».

الجدير بالذكر أن المجموعة العربية تلقّت تعليمات من قمة سرت الأخيرة، على شكل أربع أوراق. وهي «تعبّر عن الموقف العربي بوضوح»، حسب رأي الجعفري. وهناك اجتماعات ستعقد في الأيام القليلة المقبلة، أهمها اجتماع الأحد عشية المؤتمر، من أجل بلورة موقف نهائي للمجموعة العربية، وتقديم قراءة عربية مشتركة. لكن هناك خشية حقيقية من رضوخ بعض الدول للضغوط الأميركية الكثيرة، وخصوصاً أن روسيا تبدو شريكة ضاغطة على الأطراف العربية، بعد أن «قبضت تنازلات أميركية في الساحة الأوروبية».

وكانت مصر قد عارضت في مؤتمر المراجعة الذي عقد في عام 2005 إدخال أي تعديلات على شكل المعاهدة القائمة أو مضمونها. ويتوقع أن تتشبّث هذه المرة بالمبادئ نفسها.