جاء دور تعديل نظام الخدمة العسكرية الإلزامية في تركيا. حجر قد يصيب به رجب طيب أردوغان عصافير عديدة، منها: إراحة الاقتصاد التركي من عبء ثقيل. مواصلة الحد من إمبراطورية الجيش، وجعله محترفاً. ولمَ لا؟ قد يكون مجرد طرح المشروع ثروة أصوات على أبواب انتخابات 2011. الممانعة العسكرية قوية، ولتذليلها، عُقد يوم الجمعة الماضي أوّل اجتماع بين أردوغان وقائد الجيش


أرنست خوري
بات رئيس الحكومة التركية، رجب طيب أردوغان، أشبه بلاعب ورق محترف، لا يمكن توقّع الأوراق التي سيشهرها في وجه خصومه لتكون بمثابة الورقة ـــــ الضربة القاضية. على الصعيد الداخلي، يبدو الرجل مبتكراً لتكتيك فريد في التعاطي مع معارضيه الشرسين؛ يفتح ملفاً ساخناً، غالباً ما يكون من المحرمات التركية. تنفجر القضية على شاكلة سجال حادّ، وما إن يصل التوتر إلى ذروته، حتى يُلحقه بفتح ملف أكثر سخونة، فيُنسى الموضوع الأول وينصبّ التركيز على الثاني. وهكذا دواليك. «يُنسى» بمعنى أنه يُسحَب من النقاش العام، ليأخذ طريقه الدستوري أو القانوني أو الإجرائي للتطبيق، أو أنه يوضَع في الدرج في انتظار اقتناص الفرصة لإعادة طرحه في ظروف أفضل. هكذا فعل مع قضايا عديدة. وفي غضون أيام، وجّه أردوغان ضربات عديدة، خرج ولا يزال يخرج منها منتصراً نوعاً ما. طرح التعديل الدستوري الشامل، الشهر الماضي، وها هي بنوده الثلاثون تمرّ الواحدة تلو الأخرى في البرلمان. وآخر إنجاز في هذا المجال، كان تصديق النواب قبل ثلاثة أيام على أحد أكثر البنود حساسية: ذلك الذي يسمح بمحاكمة عناصر الجيش وضباطه أمام المحاكم المدنية، وهو ما يُرَجَّح أن يسرّع مجرى محاكمات «إرغينيكون».
وفي غمرة السجال الداخلي بشأن التعديل الدستوري، أعرب رئيس الوزراء عن رغبته في الانتقال بتركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، موحياً، بحسب تفسير البعض، أنه يرغب في أن يصبح رئيساً للجمهورية على الطريقة الأميركية بعد انتخابات 2011 التشريعية. قامت الدنيا، وقبل أن تقعد، طرق باب تعديل نظام الخدمة العسكرية الإلزامية التي تجعل من الجيش التركي، ثاني أكبر الجيوش في حلف شمالي الأطلسي بعد الولايات المتحدة، مع ما يناهز 900 ألف عنصر. خدمة تُعدّ أحد العوامل الرئيسية في «غسل أدمغة» الشباب التركي لتمجيد مؤسسة الجيش، حامية قيم الجمهورية العلمانية بنسختها الكمالية.
فُتح الملف، الذي لا يحبّذ الجيش فتحه كثيراً، وسار القطار. ولدى مراجعة مصير الملفات التي سبق لأردوغان أو حكومته أن فتحاها، يُتوقَّع أن يبقى هذا الموضوع في الاجتماعات وعلى صفحات الجرائد وبرامج الـ«توك شو» لفترة، قبل أن تخرج مجموعة أردوغان بمشروع قانون تقرّه الحكومة سريعاً، وتعرضه على البرلمان بعد إخضاعه لعمليات تجميل، عادةً ما تكون حصيلة مساومات وتسويات ضرورية لإمراره من دون الحاجة إلى عرضه على استفتاء شعبي.
إلا أنّ تعديل نظام الخدمة العسكرية الإلزامية في تركيا مطلب شعبي بامتياز، مثلما هو حاصل في جميع دول العالم التي لا تزال تعتمده، نظراً إلى العبء الاقتصادي الذي يسبّبه، بما أنه يقتطع فترة زمنية (تتراوح بين 6 أشهر و15 شهراً تبعاً لمستوى الشهادة العلمية المحصَّلة) من حياة الشاب التركي الذي بلغ سنّ العشرين، تبعده عن سوق العمل، ليعود بعدها ويجد أنّ وظيفته بات يشغلها شخص آخر.
وارتأى رئيس الحكومة، مثلما فعل عندما عرض رغبته في تغيير طبيعة نظام الحكم في بلاده، برنامجاً حوارياً سياسياً متلفزاً ليعلن موقفه «العسكري»، دافع فيه عن تشريع دفع بدل مالي يعفي مَن يملك المال من الخدمة الإلزامية (يُحكى عمّا يعادل 5 آلاف يورو، وهو رقم كبير في تركيا كما في أي مكان آخر، علماً بأنّ معدّل الدخل الفردي السنوي في هذا البلد يقارب 10 آلاف دولار).
لكنّ نظام دفع البدل المالي مُطبَّق حالياً على الأتراك الذين يعيشون خارج البلاد، وهو ما يشرّع هروب الشباب من بلد يحتاج إليهم بشدة، بما أنّ اقتصاده يحتل المرتبة الـ16 عالمياً، وشهد نمواً اقترب من السبعة في المئة في السنوات الماضية. هكذا يدفع مَن يعيش خارج تركيا ما بين 5 و7 آلاف يورو، ويكتفي بخدمة عسكرية رمزية و«ناعمة» لـ21 يوماً فقط في مدينة بوردور في جنوب غرب تركيا.
وفكرة البدل المالي تَطرح، لا في تركيا فقط، بل في أي دولة تعتمد نظام الخدمة العسكرية الإلزامية (اليونان هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لا تزال تعتمده)، مشاكل عديدة، بعضها يصبّ في خانة انعدام العدالة والمساواة، بما أن هذا النظام يقسّم المجتمع إلى جزءين: «قادرون» يدفعون ويُعفون من الخدمة، وفقراء لن يوفّروا المبلغ المطلوب، وبالتالي يستمرون في «خدمة الجنرالات وعائلاتهم كنادلين أو سائقين أو خدم، لا كجنود مقاتلين كما يجب أن يكونوا عليه»، وفق الكاتب في صحيفة «صباح»، إمري أكوز.
لكنّ الحزب الرئيسي المساند للدور المطلق للجيش، «الشعب الجمهوري»، تذكّر فجأة جذوره اليسارية، ليشنّ حملة للدفاع عن الفقراء الذين سيعجزون عن دفع البدل المالي، ما «سيخلق أزمة طبقية في المجتمع نفسه»، وفق تحذير النائب عن حزب أتاتورك، كنان أريتمان.
وأمام الخدمة الإلزامية العسكرية، ينقسم المجتمع التركي إلى 3 فئات: أقلية مصرّة على الاستمرار بتطبيقها. وأكثرية تتفرّع بدورها إلى قسمين: مَن يدافع عن إلغائها بالكامل، و«معتدلون» (أردوغان من بينهم) يفضّلون جني المال من الخدمة الإلزامية والحدّ من حجم الجيش ونفوذه عن طريق اعتماد البدل المالي.
في كلّ الأحوال، فإنّ هذا الموضوع يفتح المجال لطرق أحد الملفات غير المحبّبة على قلوب معظم جنرالات جيش تركيا: تحديث المؤسسة العسكرية والسير في مخطط جعلها جيشاً محترفاً وحديثاً، لا مؤسّسة متضخّمة العدد، معظم عناصرها غير مؤهّلين، كما هي حال الجيوش الغربية، وتحكمهم بيروقراطية قاتلة تهدف إلى إبقاء السيطرة عليهم بأيدي عدد قليل من الجنرالات، يحكمون القبضة على كل شيء تقريباً، في المجتمع والسياسة والاقتصاد.
وتشريع البدل المالي سيعني تلقائياً الدخول في أولى مراحل «احتراف الجيش» التركي التي تحتاج إلى 45 مليار دولار، وفق تقديرات قيادة الجيش، وهو مبلغ ترى تلك القيادة أنه غير متوافر حالياً في الموازنة التي لا تزال أشبه بسرّ دولة لا يقرّها البرلمان، ولا تضعها وزارة الدفاع، ولا تشرف على إنفاقها مؤسسات الرقابة الحكومية. وهنا ينبري المدافعون عن نظام البدل المالي ليقولوا إنّه سيوفّر هذا المبلغ المطلوب، بما أنّ 500 ألف مواطن حالياً يؤجّلون موعد التحاقهم بالجيش، وفق الموقع على الإنترنت الذي يطالب بتعديل نظام الخدمة الإلزامية WWW.BEDELLIASKERLIK2010.NET (يحق لمن يتابع تحصيل علومه الجامعية التأجيل حتى سنّ الـ38).
ويرى المعارضون لاستمرار تدخّل الجيش التركي في كل ما يخرج عن جوهر دوره ومهماته، أنّ تحديث هذه المؤسسة سيكون أشبه بـ«ورقة نعي» للعلمانيين الكماليين، بما أنه حينها، سيتحول إلى جيش «باب أوّل»، قوي وحديث ومجهَّز ومدرَّب، لا مكان فيه إلا لعقيدة محايدة في السياسة، ودور وطني يحمي الحدود ويحفظ الأمن وينفّذ أوامر السلطة السياسية. ويذكّر هؤلاء كيف أحبطت جميع محاولات تحديث الجيش التركي بعد الانقلابات الأربعة التي شهدها تاريخ الجمهورية: فالآلاف من الضباط طُردوا بجرة قلم، من دون أن يكون لهم حقّ استئناف قرار تسريحهم، بعد أحداث 1960 و1971 و1980 و1997، لمجرد أنهم رفضوا المشاركة في الانقلابات أو تغطيتها. من هنا، فإنّ تحديث الجيش وجعله محترفاً هما «أولوية الأولويات في مسار دمقرطة تركيا»،كما يؤكد الكاتب في صحيفة «ستار»، محمد ألتان. ويعترف العقيد المتقاعد في الجيش، الدكتور في علم النفس نزوت ترهان، بأن الدعوة إلى احتراف الجيش ستواجه بحملة شرسة من داخل قيادته، «لأنهم يخافون التغيير».


تحديث الجيش سيكون «ورقة نعي» للعلمانيين الكماليين وللعقيدة العسكرية القديمة

طرح البدل المالي للخدمة الإلزامية «رشوة انتخابية» قبل عام من انتخابات 2011
وبالفعل، يستخدم قادة الجيش، منذ فترة، كل ما أوتي لهم من قوة وذرائع، لتبرير معارضتهم لاعتماد البدل المالي. وقبل عام، علّق قائد الجيش، إلكر باسبوغ، على الأمر قائلاً: «لا يمكن أن نقول لمواطنينا ماذا تعني الخدمة العسكرية من خلال البدل المالي، في بلد يحارب الإرهاب (إقرأ حزب «العمال الكردستاني») ويسقط فيه الشهداء يومياً».
لكنّ حجّة باسبوغ تبدو مضحكة في نظر البعض ممّن يذكّرون بأنّ السقوط اليومي للشهداء الذين يتحدث عنهم رئيس هيئة الأركان، ليس سوى نتيجة لعدم احتراف الجيش، بما أنّ نسبة كبيرة من قتلى الجيش في مواجهة حزب «العمّال الكردستاني»، هي من المجنّدين الذين «أُرسلوا ليموتوا» في الجبهات، ما يؤكّد أنّ الأهمية في القرن الـ21 لا تكمن في العدد، بل في نوعية هذا الجيش، وهو ما لا يتحقق إلا بالسير في خطة احترافه.
ورغم تضخّم عديد الجيش التركي، فإنّ بعض قادته غير راضين عن هذا العدد «المتدنّي» أصلاً، بدليل أنّ مئات الآلاف الحاليين لا يحقّقون سوى ثلثي العدد المطلوب، على حدّ تأكيد الجنرال المتقاعد أرماغان كولو أوغلو.
أمّا عن توقيت فتح أردوغان مسألة الخدمة الإلزامية العسكرية، فكان طبيعياً أن يرى فيه معارضوه «رشوة انتخابية» قبل عام واحد من انتخابات 2011، على حدّ تعبير النائب عن «الشعب الجمهوري» كنان أريتمان، بما أنّه بمجرّد أن يعد حزب أردوغان بإلغاء نظام الخدمة العسكرية الإلزامية أو اعتماد نظام البدل المالي، فسينال حزبه مئات الآلاف أو الملايين الإضافية من الأصوات. أصلاً، «سواء نجح أردوغان في فعل شيء في هذا الموضوع أو فشل، فإنّ حزبه سيستفيد شعبياً من مجرد طرح الفكرة»، استناداً إلى كلام الجنرال المتقاعد أرماغان كولو أوغلو.


خيار البدل

طُبّق خيار استبدال الخدمة العسكرية الإلزامية ببدل مالي أربع مرات منذ تأسيس الجمهورية التركية. المرة الأولى كانت في 1927، والمرة الأخيرة كانت في 1999. وفي المرات الثلاث التي طُبّق فيها نظام البدل المالي، استفاد منه 125,834 شخصاً. وفي المرة الأخيرة، فُتح الباب أمام البدل المالي كوسيلة لجمع المال اللازم لتمويل إعادة إعمار ما دمّره زلزال مرمرة في 1999، والتعويض على ضحاياه. وفي الفترة القصيرة التي اعتُمد فيها هذا النظام، استفاد منه 72,290 شخصاً، أي أكثر من ضعف عدد الأشخاص الذين لجأوا إليه في المرة السابقة. وفي زلزال 1999 الذي أوقع نحو 18 ألف قتيل، كانت حكومة بولنت أجاويد (الصورة) بحاجة ماسّة إلى كل فلس، وخصوصاً أنها ارتأت ترجمة الشوفينية التركية في رفض بعض المساعدات الإنسانية الدولية، وخصوصاً شاحنات الدم التي أرسلتها اليونان.