هانوفر ــ بسّام الطيارة

تتخبّط أوروبا بين الانفتاح واستيعاب مواطنيها المتحدّرين من أصول مهاجرة، والانكفاء على نفسها في إطار تاريخي يضفي عليها تلويناً غربياً مسيحياً، ويضعها في مواجهة الكتلة الإسلامية التي تسكن الشواطئ الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. وكما يمثّل المواطنون من أصول مغاربية، «أمّ المسائل» في فرنسا، كذلك هو الأمر بالنسبة إلى المواطنين الأتراك في ألمانيا. من حيث المبدأ، تضمن كل القوانين الأوروبية، التي تسهر عليها المحكمة العليا في اللوكسمبورغ، المساواة في الحقوق والواجبات لكل المواطنين، ومنها تسلّق السلّم الاجتماعي، والرقي وممارسة العمل السياسي من دون أي تمييز.
إلّا أنّ «ثقل التاريخ» إلى جانب التأجيج الإعلامي في السنوات الأخيرة، يجعلان من مسألة الأصول، وخصوصاً لمن يحمل اسماً «مميّزاً له طابع عربي أو إسلامي»، عائقاً أمام تسلّم وظائف كبرى في الدولة، أو التقدم لمناصب انتخابية.
فها هو زعيم كتلة اليمين في مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لونغي، يعترض قبل أسابيع، على تسليم مسؤول اشتراكي «فرنسي من الجيل الثالث»، وظيفة درجة أولى بحجة ضرورة أن يكون في هذا المنصب «شخص من أصول فرنسية خالصة». وفي بعض الأحيان، تسعى الأحزاب السياسية إلى تجاوز هذه المسألة، فتضرب ضربة إعلامية، من خلال تعيين رشيدة داتي وزيرة للعدل مثلاً، أو فاضلة عمارة سكرتيرة دولة لشؤون الضواحي، لكن سرعان ما يخبو وهج هذه الضربات.
في ألمانيا، شاء حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي المحافظ أن «يخوض تجربة بدأت تفرض نفسها»، بحسب تصريح أحد الحزبيين لـ«الأخبار». فقد عُيّنت إيغول أوزكان (محامية ٣٨ سنة) وزيرة للشؤون الاجتماعية في مقاطعة ساكسونيا السفلى (شمال غرب البلاد)، لتصبح أول امرأة من أصول تركية تتولى منصباً بهذا المستوى. وقد صفّق لهذا الاختيار عدد لا بأس به من الشباب والناشطين من أجل حقوق الإنسان في ألمانيا، بينما عدّته الأحزاب المنافسة «قمة الانتهازية السياسية» لمداعبة شعور الناخبين من أصول تركية.
إلّا أنّ الوزيرة أوكان أعادت «توحيد الأحزاب في ردّات فعلهم الشوفينية»، مع أول تصريح أدلت به لمجلة «فوكس» الأسبوعية، بقولها «لا مكان للرموز المسيحية في المدارس الرسمية»، في إشارة إلى الصلبان التي تُعلَّق في صفوف المدارس في ألمانيا. وقد أثارت تصريحاتها موجة غضب حتى داخل حزبها، رغم أنها قالت أيضاً إن «الحجاب أيضاً غير ضروري» في قاعات الصفوف.
ولم تمر ساعات حتى انطلقت التصريحات الشاجبة لحديثها. وكان أكثرها حدةً تصريح المسؤول عن مسائل الاندماج في المجموعة البرلمانية للاتحادات المسيحية، ستيفان مولر، الذي وصف مواقف أوزكان بأنها «شاذّة إن لم تكن مرعبة». في المقابل، ذكر رئيس مقاطعة ساكسونيا السفلى، كريستيان ولف، وهو من حزب أوزكان، أنّ السلطة التنفيذية الإقليمية التي تنتمي إليها الوزيرة الجديدة، «تعدّ الرموز الدينية، ولا سيما الصليب، بمثابة إشارة إلى تربية تتّسم بالتسامح على خلفية القيم المسيحية». كما تساءلت صحيفة «سوددوتش زيتونغ» اليومية عما إذا كان حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي مستعداً لخوض تجربة مع امرأة «تقول ما تشاء» وتخوض غمار «مسائل حساسة جداً».
بدورها، رأت أوساط في حزب المستشارة أنجيلا ميركل أنّ التجربة، التي تقضي بجعل امرأة مسلمة وزيرة عن حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي في ساكسونيا السفلى، «فشلت على ما يبدو حتى قبل أن تبدأ»، في الوقت الذي وضعت فيه الشرطة برنامجاً لحماية الوزيرة المقبلة بعدما تلقّت تهديدات بالقتل.


مثلما يمثّل المواطنون من أصول مغاربية «أمّ المسائل» في فرنسا، كذلك هو الأمر بالنسبة إلى أتراك ألمانيا

تجربة تسمية وزيرة مسلمة عن «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» فشلت حتى قبل أن تبدأ

لكنّ أوزكان حصلت على «بعض التأييد الفاتر» من داخل حزبها، بدليل أنّ الوزير المسؤول عن الاندماج في رينانيا (شمال البلاد) أرمان لاشيت، رأى أنّ تعيينها مؤشر يزيد «من صدقية حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي» في مجال الانفتاح على أجيال المواطنين من أصول مهاجرة. وقد يكون هذا الرضى نابعاً من الاعتذار الذي قدّمته الوزيرة لزملائها، أمس، وهو ما أدّى بولف إلى إعلان أن الموضوع انتهى مع نيل حزبه الاعتذار.
ومن المعروف أنّ الحزب سيخوض في التاسع من أيار المقبل، انتخابات غير مضمونة النتائج في هذه المقاطعة الإقليمية التي تضم عدداً كبيراً من السكان من أصول تركية.
ويأتي هذا اللغط بينما تتزايد مشاركة ألمانيا في الحرب في أفغانستان، وتتخوف الدوائر الأمنية من انتقال العنف إلى داخل البلاد؛ فقد أعلن المكتب الجنائي الفدرالي الألماني، قبل يومين، أنه تجري أعداد كبيرة من التحقيقات حول إسلاميين يُشتبه في ضلوعهم في الإرهاب. وذكرت معلومات حصلت عليها «الأخبار»، أنّ الأمن الألماني يُجري ما يزيد على ٣٥٠ تحقيقاً عن أشخاص «لهم خلفيات ونشاطات إسلامية»، فيما السلطات وضعت نحو ١١٠٠ مواطن أو مقيم في ألمانيا بصفة رسمية تحت مراقبة حثيثة، خوفاً من أن «يقوموا بأعمال إرهابية».
وتسلّط هذه الأنباء الضوء على وضع يدور في حلقة مفرغة، تحشر فيه المجتمعات الأوروبية عموماً بين اتجاه انفتاحي لاستيعاب المواطنين من أصول مهاجرة، يعرقله «تحالف موضوعي» بين السلفية الإرهابية ورواسب التاريخ والخوف من «الآخر» التي تسكن المواطن الأوروبي «الأصيل».