الحكومة في مواجهة المعارضة والحسم في يد الجيش


حبيب الياس
إنها حمّى الألوان تعود لتسيطر على شوارع بانكوك. هذه المرة صبغت بألوان أصحاب القمصان الحمر، الذين جاؤوا ليطالبوا بسقوط الحكومة وبانتخابات مبكرة. مطلب يبدو صعب التحقيق في ظل تشبّث الحكومة بإبقاء الانتخابات التشريعية في موعدها، مدعومة من الجيش، صاحب الكلمة الأخيرة.
وتدفّق المتظاهرون إلى العاصمة منذ الرابع عشر من آذار، في تظاهرة مفتوحة أطلقوا عليها شعار «حرب الشعب ضد النخبة». تظاهرة احتلوا خلالها شارعاً رمزياً في المدينة القديمة، في محاولة من سكان المناطق الريفية لإجبار الحكومة، التي تنتهي ولايتها نهاية العام الحالي، على إجراء انتخابات مبكرة.
المتظاهرون الذين أتوا بمعظمهم من المناطق الشمالية الشرقية في تايلاند، والذين يعدّون حكومة ابهيسيت فيجاجيفا واجهة، غير شرعية، للنخبة الارستقراطية والعسكرية التي رفضت تكراراً «القبول بالنتيجة الديموقراطية وبقرار الشعب»، ينظرون إلى الحكومة كمغتصبة لحقوق الشعب، بعدما سيطرت على السلطة إثر انقلاب الجيش على الأكثرية البرلمانية المناصرة لرئيس الوزراء السابق تاكسين شيناوترا.
وهذه التظاهرات التي بدأت تعبيراً سلمياً عن الرأي، ما لبثت أن تحولت في العاشر من الشهر الحالي إلى دموية راح ضحيتها 25 شخصاً (19 مدنياً وخمسة جنود وصحافي ياباني) وأكثر من 800 جريح، في أسوأ مواجهات منذ عام 1992. فبعدما رشّ المتظاهرون، الشهر الماضي، دماءهم على حائط منزل رئيس الوزراء، كأسلوب للتعبير عن رأيهم، وإن بطريقة غير تقليدية، جاء دور الجيش ليعبّر عن رأيه في محاولات خرق النظام. إنه اللون الأحمر يسيطر على شوارع المدينة الملقّبة بـ«مدينة الملائكة»، التي أصبحت أقرب إلى الجحيم.
هنا الجيش هو الذي يملك الكلمة الحسم، والذي من خلال دعمه استطاع رئيس الوزراء أن يستمر في مركزه، حتى إنه كان أصلاً وراء ترؤسه للحكومة الحالية. ففي عام 2007، عكس كل التوقعات، تمكّن حزب مقرّب من شيناواترا، الذي يحظى بدعم عدد كبير من أصحاب القمصان الحمر بالرغم من ثروته الضخمة وحياة الرفاهية التي يعيشها، من تحقيق نتيجة جيدة في الانتخابات أهّلته لتأليف حكومة أُسقطت بالقوة في عام 2008، بضوء أخضر من الجيش، وعلى أثر تظاهرات لأصحاب القمصان الصفر الموالين للنخبة، إضافة إلى قرار من المحكمة في قضايا فساد، وحلّها لأحد الأحزاب ضمن الائتلاف الحكومي، ما أدى إلى خسارتها الأكثرية.
في تلك الأثناء، طالب رئيس الوزراء الحالي، المعارض وقتها، باستقالة الحكومة على أثر مقتل شخصين من أصحاب القمصان الصفر، فكان أن تسلّم رئاسة الحكومة بدعم من الجيش والنخب الغنية، إضافة إلى دعم غير معلن من الملك.
حتى إن ابهيسيت لم يكن بعيداً عن أحداث عام 1992، حين كان متحدثاً باسم المعارضة بعد مذبحة الجيش بحق المدنيين في بانكوك. كان حينها معارضاً لإراقة الدماء، ما يفسّر عدم تدخّله المبكر لفضّ حركة «القمصان الحمر». غير أن هذا التأخير جعل المعارضة تشتد من قبل مناصريه.
ولكن يبدو أنه من الأفضل للتايلانديين أن يبقى الوضع على ما هو عليه، على أمل جرّ الأمور إلى المفاوضات مع قادة المعارضة، لحقن الدماء، ولمنع الجيش من اختيار الحل العسكري. حلّ يبدو مستعصياً، وخصوصاً بسبب غياب الملك بوميبول ادولياديج (82 عاماً)، الذي يعدّ شخصية أساسية لوحدة البلاد، عن المشهد. غياب فرضه المرض الذي أقعده في المستشفى منذ أيلول.
ورأى بول شامبرز من جامعة هايدلبيرغ الألمانية أنه «نظراً إلى ما تحظى به الملكية من احترام (...) يمكن القصر أن يسهل عملية مقاربة نحو التوافق. ومن دون هذا التدخل، فإن العنف قد يستمر».
غير أن الفراغ الذي تركه فتح المجال أمام حاشيته، مثل ما حصل في عام 2008، فكان انحيازها إلى جانب الحكومة. ورغم أن المطالبة الأساسية لـ«قمصان الحمر» هي الانتخابات التشريعية المبكرة، إلا أن الأزمة السياسية التايلاندية تحمل في طيّاتها الكثير من التعقيد، لكون الدوافع الحقيقية أبعد من ذلك. هي صراع نفوذ من أجل السيطرة في آخر سنوات الملك.
وتحدثت مجلة «الإكونوميست» عن هاجس يتحكم في النخبة الملكية تجاه خطر هيمنة سلطة قائد شعبي من خارج النخبة في بانكوك. ومنذ عقود تستفيد نخب بانكوك حول القصر الملكي من الازدهار الاقتصادي، فيما تحرم منه عامة الشعب في الأرياف في شمال وشمال شرق البلاد وقسم من سكان بانكوك، ويرون أنهم محتقرون ومهمّشون.
وقد تعمّقت الهوة مع بروز تاكسين شيناوترا في بداية الألفية الثانية، ثم إعادة انتخابه وإطاحته إثر انقلاب عسكري في عام 2006. فباعتماده سياسة مواتية للفقراء في الشمال حيث ولد، أيقظ تاكسين شيناوترا ضميرهم السياسي. وبالرغم من اتهامه بالمحاباة والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، إلا أنه أصبح «النجم» الساطع في السياسة التايلاندية. والخطر الأكبر الذي يمثّله تاكسين هو عزمه على التمتّع بنفوذ مماثل لذلك الذي تحى به الأسرة الحاكمة، على المستويين العسكري والإداري، ما سينعكس على النخبة التي تحيط به.
وفي ظل عدم تنازل أي طرف عن موقفه، يخشى أن يتكرر سيناريو نزول أصحاب القمصان الصفر وتقسيم العاصمة إلى مخيمين، في انتظار الشرارة التي تشعل الشوارع وتخلط الأصفر بالأحمر.