ساركوزي يبيع مدفيديف سفناً ومعرفة بمبادرته للتسوية



كلّلت القمّة الروسيّة الفرنسيّة، أول من أمس، بداية شراكة استراتيجية، عزّزها توافق الرؤية بشأن إيران والسلام وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتسليحيّة

باريس ــ بسّام الطيارة
لقي الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف حفاوة كبيرة من جانب السلطات الفرنسية أثناء زيارته التي دشّن خلالها عام الثقافة بين روسيا وفرنسا، فيما أرادت باريس عبرها بناء علاقة جديدة تحل محل العلاقة التي بناها الجنرال ديغول مع «روسيا الشيوعية» إبان الحرب الباردة لإبقاء بلاده «في ملعب الكبار». وهي علاقة استراتيجية تطاول جميع الملفات العالمية من مسألة أمن تموين أوروبا بالطاقة إلى ملف الردع النووي مروراً بملفات ساخنة مثل العقوبات على إيران أو السلام في الشرق الأوسط، إضافةً إلى مسألة التعاون التقني العسكري وبيع معدات متطورة.
ومن هنا وصف المراقبون لقاء الرئيسين الروسي مدفيديف والفرنسي نيكولا ساركوزي في قصر الإليزيه أول من أمس، بأنه بداية «شراكة استراتيجية جديدة». ومدفيديف يترك انطباعاً بأنه أكثر انفتاحاً وحداثة من سلفه فلاديمير بوتين، وهو ما لفت الانتباه إليه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير قائلاً إن «جيل مدفيديف مختلف جداً عن جيل بوتين»، رغم أن رئيس الوزراء الروسي، الذي زار باريس في تشرين الثاني الماضي، ليس بعيداً عن هذه الاستراتيجية الجديدة لموسكو التي توافق سياسة ساركوزي الديناميكية.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك، أكد الرئيسان أن الثقة والصداقة هما لبنة بناء العلاقة الجديدة بعدما سقطت حدود الإيديولوجيا، وأشارا إلى توافق رؤية باريس وموسكو بشأن عدد من الملفات، وفي المقدمة الملف الإيراني.
وفي ملف السلام في الشرق الأوسط والتنافس بين باريس وموسكو لاستقبال «مؤتمر دولي حول الصراع»، أكد الرئيس الروسي أن «لا مفاوضات» في الأفق بل «إمكان استئناف مفاوضات عبر وسطاء».
وعلمت «الأخبار» من مصدر قريب من المحادثات أن «باريس وضعت موسكو في أجواء المبادرة الجديدة» التي تحدّث عنها الرئيسان الفرنسي ساركوزي والفلسطيني محمود عباس قبل أسبوع. وأشار المصدر إلى أنه «من المبكر جداً الحديث عن مؤتمر موسكو»، فالتراتبية التي يبحثها الأوروبيون هي «البدء بعملية بناء ثقة» تحل محل وقف الاستيطان، وتتوازى مع «مفاوضات غير مباشرة» للعمل على ما بات يسمّى «المبادرات الثلاث المواكبة»، وهي الأمنية والمالية والسياسية.
وفي الشق الأمني المبني على مشاركة قوة أوروبية في حماية الفلسطينيّين يقابلها انسحاب إسرائيلي من مناطق السلطة، لم تؤكّد المصادر أو تنفي «مشاركة عسكرية روسية». وفي الشق المالي، فإن الصناديق المزمع إنشاؤها سوف تكون أساساً من مساهمات عربية خليجية وأوروبية وبنسبة متدنية أميركية، بينما يمكن موسكو أن تسهم في الشق السياسي.
ويرى خبراء أن لروسيا القيصرية علاقات تاريخية في القدس كحامية للكنيسة الأرثوذكسية، ومع الإسرائيليين من أصول روسية (وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيغدور ليبرمان) كما هي حال كبار مموّلي الحركة الصهيونية حالياً.
ومن هنا يمكن حصول تعاون جدي بين روسيا وفرنسا في ملف الشرق الأوسط، في ظل جمود إدارة باراك أوباما، ولكن يمكن أيضاً أن يتوسع هذا التعاون في مجالات أخرى تدعم مراكز الدولتين على الساحة الدولية. وبالتالي، فإن مجموعة الاتفاقات التي وقّعها البلدان على مستوى ثنائي تذهب في هذا الاتجاه.
فقد وقعت مجموعتا «غاز دو فرانس سويز» الفرنسية و«غازبروم» الروسية عقداً تشارك بموجبه المجموعة الفرنسية بنسبة ٩ في المئة في مشروع أنبوب غاز «نورث ستريم» الروسي، الذي ينافس مشروع أنبوب غاز «نابوكو» الأوروبي. وأعلن أيضاً عن اتفاق شراكة بين مجموعتي «ألستوم» المصنّعة لمحركات القطار السريع ومصنع القطارات الروسي «ترانسماشهولدينغ»، ما يمكن أن يفتح باب أسواق شرق أوروبا للشركة الفرنسية على حساب منافستها الألمانية «سيمنز».
إلا أنّ الاتفاق الذي يُثير الجدل هو قرار بيع أربع سفن حربية فرنسية من طراز «ميسترال» إلى موسكو، على أن يجري بناء أول دفعة في فرنسا قبل أن «تُنقل التكنولوجيا» إلى روسيا. ورغم تأكيد ساركوزي أن هذه السفن سوف تكون من دون «تجهيزات عسكرية»، فإنه قرار غير مسبوق، أن تبيع دولةٌ عضو في حلف الأطلسي روسيا معدات عسكرية ثقيلة، لكن ساركوزي أجاب مسبقاً عن هذه الاعتراضات بقوله إن «روسيا وفرنسا تعملان معاً بشأن الأمن في أوروبا».