إسطنبول | أظهرت 3 استطلاعات للرأي أجريت الأسبوع الماضي أن الحظ لن يحالف حزب «العدالة والتنمية» في انتخابات الأول من تشرين الثاني المقبل، للحصول على الأغلبية النيابية التي ستمكّنه من تشكيل الحكومة منفرداً. وتوقعت هذه الاستطلاعات أن يحصل الحزب على نسب تتراوح بين 38 و41% من مجموع أصوات الناخبين، ما يعني خسارة الحزب لبعض مقاعده في البرلمان الحالي، بعد أن كان قد فاز بـ258 مقعداً في انتخابات 7 حزيران الماضي.


ودفعت هذه التوقعات بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الزعيم الفعلي للحزب) إلى وضع استراتيجية جديدة لمواجهة هذه الاحتمالات. وقالت مصادر «العدالة والتنمية» إن زعيم الحزب، رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، بات يرى في أردوغان السبب الرئيسي في تراجع شعبية الحزب. وتحدثت هذه المصادر عن فتور جدي بين أردوغان وداوود أوغلو، وصل إلى حدّ قول الأخير للرئيس، «كفاك تدخلاً في الحملة الانتخابية»، بعد أن بيّنت استطلاعات الرأي أن 66٪ من المواطنين يحمّلون أردوغان مسؤولية فشل تشكيل الحكومة الائتلافية بين حزبَي «العدالة والتنمية» و»الشعب الجمهوري»، بعد انتخابات 7 حزيران الماضي.


بقاء الأسد والسيسي
في منصبيهما
يضع أردوغان في موقف حرج
كذلك يقول 64٪ من المواطنين إن أردوغان هو سبب التصعيد الأخير بين الدولة و»حزب العمال الكردستاني»، وإنه بذلك يحاول كسب أصوات الناخبين القوميين، خاصة بعد أن أقنع توغرول توركش، نجل مؤسّس حزب «الحركة القومية» البسلان توركش، بالاستقالة من حزبه والانضمام إلى «العدالة والتنمية». وفشل أردوغان في محاولات مماثلة لاستقطاب فاتح أربكان، نجل الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان، حتى يتسنى له كسب أصوات حزب «السعادة» الإسلامي، الذي حصل في الانتخابات الماضية على 2.5٪ من مجمل أصوات الناخبين. ولو صوّتت هذه النسبة لمصلحة «العدالة والتنمية»، لكانت مقاعد الأخير النيابية قد تجاوزت النصاب الدستوري المطلوب لتشكيل الحكومة منفرداً، أي 276 مقعداً.
وفي وقت تتوارد فيه المعلومات عن صراعات جدية داخل «العدالة والتنمية» بين أتباع أردوغان وأتباع داوود أوغلو، يجري الحديث عن احتمال عودة الرئيس السابق عبدالله غول إلى الساحة السياسية، بعد انتخابات الأول من تشرين الثاني، خاصة إذا فشل الحزب في الحصول على الأغلبية الدستورية.
وفي مقابلة أجراها الأسبوع الماضي مع محطة «ان تي في» التركية، وجّه غول انتقادات غير مباشرة لأردوغان وسياساته الداخلية والخارجية، وتحدث عن ضرورة الحل السياسي للأزمة السورية عبر الحوار التركي ــ الإيراني ــ المصري ــ السعودي ــ الأردني، من دون التطرق إلى مصير الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك في تعارض واضح مع طروحات أردوغان. ويتوقع المراقبون أن يستمر أردوغان في سياسة التصعيد ضد «حزب العمال الكردستاني» وجناحه السياسي «حزب الشعوب الديمقراطي»، في محاولة أخيرة منه لكسب أصوات الناخبين القوميين، ومنع الناخبين، أتراكاً وأكراداً، من الذين صوّتوا لهذا الحزب في الانتخابات الماضية من التصويت له مجدداً في الانتخابات المقبلة، وذلك بعد تصويره بأنه «إرهابي» خطير يستهدف وحدة الأمة والدولة التركية، كما يستهدف الاستقرار الاقتصادي.
وتقول الأوساط الكردية إن حسابات أردوغان هذه ستفشل، لأن العنصر القومي سيكون الأكثر تأثيراً في قرار الناخب الكردي، إن كان في جنوب شرق البلاد، أو في المدن الكبرى، كإسطنبول وإزمير وأنقرة وأنطاليا وأضنة. وتؤيد استطلاعات الرأي صحة هذه الحسابات، بعد أن توقعت لحزب الشعوب الديمقراطي أن يحصل على 13 إلى 15% من أصوات الناخبين الذين زاد عداؤهم لأردوغان، بسبب تدخّله السافر في السياسة اليومية، بما يخالف الدستور. أضف إلى ذلك أن استهداف أردوغان للأكراد عموماً يخالف سياساته السابقة في الحوار مع الأخيرين، وخاصة مع زعيم «العمال الكردستاني»، عبدالله أوجلان، وهو ما أفقد الرئيس المصداقية في حديثه عن القضية الكردية، بأبعادها السياسية والأمنية، المحلية والإقليمية. وكان وزيرا التنمية وشؤون الاتحاد الاوربي قد استقالا من حكومة داوود أوغلو المؤقتة، كردّ فعل على سياسة أردوغان الاستفزازية. ويُذكر أن الوزيرين المذكورين كانا من حصة حزب الشعوب الديمقراطي من الحكومة، فيما كان ثالث قد رفض المشاركة في الحكومة منذ البداية.
وأشارت أوساط العدالة والتنمية إلى قلق أردوغان وانزعاجه من الموقف الأميركي المؤيّد لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري، الذي وصفه مسؤولون أميركيون بالحليف الاستراتيجي لحزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لأردوغان وحساباته التركية والإقليمية، وخاصة في هذه المرحلة التي تشهد فيها الأزمة السورية تطورات مثيرة، خلافاً لكل حسابات أردوغان الذي سيزور موسكو ويلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سبق له أن اتّهم أردوغان بدعم الجماعات الارهابية، بما فيها «داعش» و»النصرة»، اللتين يقاتل في صفوفهما حوالى 10 آلاف من الشيشانيين ومواطنين آخرين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، دخلوا سوريا براً.
ويعرف الجميع مدى حراجة موقف أردوغان الذي لن يتخلى عن عدائه الشخصي للأسد، وكذلك للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فإذا بقي الرئيسان المذكوران في السلطة، فلن يبقى لأردوغان ما يقوله للناخب التركي، خاصة إذا خسر معركة الانتخابات القادمة، والتي سيسخّر فيها كل إمكانيات الدولة لمصلحة حزبه (وشخصه). وفي حين يدور الحديث عن عناد أردوغان وتشبثه بالسلطة، أياً كانت نتائج الانتخابات القادمة، يراهن البعض على تأجيل الأخيرة أو حتى إلغائها، تحت مختلف الذرائع الداخلية أو الخارجية، وذلك إذا ما أحسّ أردوغان بأن نتائج الانتخابات لن تكون لمصلحته. وفي هذه الحالة، يتوقع هذا البعض أن يُقدم أردوغان على أيّ عمل كان، بغض النظر عن لادستوريته أو مخالفته للأعراف السياسية أو الاجتماعية، مستفيداً من إمكانياته المالية والإعلامية.