حوّلت الأزمة السورية منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى منبر خاض عليه كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما جدلاً وتبادل رسائل عن بعد، بشأن الرؤية للحل في سوريا. من على منصة الأمم المتحدة، مهّد بوتين للقائه الثنائي مع أوباما، بتشديد على الموقف الروسي، الذي يتمحور حول أن لا حلّ في سوريا إلا بوجود الرئيس بشار الأسد.


ورغم محاولة أوباما استباق كلمة بوتين بإشارة إلى إمكانية التعاون مع روسيا وإيران في هذا المجال، ولكن من دون الأسد، إلا أنّ ردّ بوتين كان أنّ رفض التعاون مع الحكومة السورية وجيشها في المعركة ضد «داعش» سيشكل «خطأ كبيراً»، إضافة إلى إعلانه أن موسكو تقدّم مساعدات عسكرية وتقنية إلى الحكومتين السورية والعراقية، في مواجهة الإرهاب، على أساس شرعي تماماً.
في أول كلمة يلقيها أمام الأمم المتحدة، منذ عشرة أعوام، تنقّل بوتين في عدة محاور، ورغم محاولته التطرّق إلى مختلف الأزمات التي تعصف في المنطقة والعالم، على المستوى السياسي والاقتصادي، فقد حازت الأزمة السورية الجزء الأكبر هذه الكلمة، بما يعدّ امتداداً للدور الذي بدأت روسيا بلعبه، أخيراً، في المنطقة. فقد دعا بوتين إلى الإقرار بأن «لا أحد سوى القوات المسلّحة للرئيس (بشار) الأسد تقاتل، فعلاً، تنظيم داعش ومنظمات إرهابية أخرى في سوريا».
وأكد أن «لا فرق جوهرياً بين داعش وما يسمى المعارضة المعتدلة في سوريا»، معتبراً أن «التنظيمات نشأت وترعرعت بهدف مصارعة أنظمة مدنية غير مرغوب فيها»، في المشرق وشمال أفريقيا، وأبعد.
كما اعتبر بوتين أن «حالة الأوضاع القائمة خطيرة، وبالتالي لا يمكن أن نندد بالإرهاب الدولي، فهذا سيكون نفاقاً، إن لم ندد بكل ما يغذي هذا الإرهاب».
بوتين دعا إلى تشكيل «تحالف واسع ضد الإرهاب» في سوريا والعراق، مصرحاً بأنه سيكون «شبيهاً بالتحالف ضد هتلر»، إبان الحرب العالمية الثانية، والذي شاركت فيه خصوصاً الولايات المتحدة وروسيا، ولافتاً الانتباه إلى أن الدول العربية «ستؤدي فيه دوراً رئيسياً». كذلك أعلن أن موسكو ستعقد، في الأيام القريبة المقبلة، اجتماعاً وزارياً لمجلس الأمن الدولي لبحث التنسيق بين جميع القوى التي تواجه تنظيم «داعش». وقال إن المراد من هذا الاجتماع الذي ستعقده روسيا، بصفتها رئيساً للمجلس في دورته الحالية، هو تحليل التهديدات المحدقة في منطقة الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، أشار بوتين إلى أن روسيا تقترح بحث إمكانية التوصل إلى صياغة قرار للمجلس الأمن ينص على تنسيق جهود جميع القوى المناهضة لتنظيم «داعش» وجماعات إرهابية أخرى. وشدّد على ضرورة أن يعتمد هذا التنسيق على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، معرباً عن قناعته بقدرة المجتمع الدولي على بلورة استراتيجية شاملة ترمي إلى إعادة الاستقرار السياسي إلى الشرق الأوسط وإنعاش المنطقة اقتصادياً واجتماعياً.
من جهة أخرى، أكد الرئيس الروسي أن «التدخل الخارجي العنيف» هو الذي أدى إلى تدمير مرافق الحياة ومؤسسات الدولة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الأمر الذي أدى إلى «سيادة العنف والفقر والكارثة الاجتماعية وتجاهل حقوق الإنسان، بما فيها حقه في الحياة». وقال: «لو سألنا من خلق هذا الوضع: ما الذي صنعتموه؟ فأخشى أن يبقى هذا السؤال بلا جواب لأن السياسية المبنية على الثقة المفرطة باستثنائيتها وحصانتها من أي مساءلة لم يجر التخلي عنها».
وانتقد بوتين تهميش الأمم المتحدة، قائلاً إنه «لا يمكن التلاعب بالكلمات» عند صياغة قراراتها، وإن كل قرار يجب أن يتسم بالوضوح، ومشدداً على أن العمل في إطار الأمم المتحدة لا يستقيم مع هيمنة «النموذج الأوحد».
في وقت سابق، ومن على المنبر نفسه، أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما استعداد بلاده للتعاون مع روسيا وإيران لإنهاء النزاع في سوريا، ولكنه وجه انتقاداً شديداً الى الرئيس السوري واصفاً إياه بالـ«طاغية». وقال أوباما إنه «يجب أن نعترف بأنه لا يمكن العودة إلى الوضع السابق الذي كان سائداً قبل الحرب، بعد هذا الكم الهائل من سفك الدماء والمذابح الكثيرة»، مضيفاً أن التوصل إلى حلول وسط سيكون ضرورياً لإنهاء الحرب الأهلية الطويلة التي تعصف بسوريا.
الرئيس الأميركي الذي اعتبر أن «الواقعية تُملي علينا أن هناك حاجة للتسوية لإنهاء القتال وفي نهاية المطاف القضاء على تنظيم داعش»، أضاف أن هذه «الواقعية تتطلب أيضاً انتقالاً مُرتباً بعيداً عن الأسد، ولزعيم جديد وحكومة شاملة تعترف بأنه ينبغي أن تكون هناك نهاية لهذه الفوضى حتى يتسنى للشعب السوري البدء في إعادة البناء». وقال إن «الاستقرار الدائم لا يمكن أن يصمد إلا عندما يتفق الشعب السوري على العيش معاً في سلام».
من جهته، دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى تشكيل «جبهة موحدة» لقتال المتطرّفين في الشرق الأوسط مع سيطرة تنظيم «داعش» على مناطق شاسعة من العراق وسوريا. وقال إن إيران «مستعدة للمساعدة في إحلال الديموقراطية في سوريا» وفي اليمن، ملقياً اللوم على الولايات المتحدة في انتشار الإرهاب في الشرق الأوسط.


بوتين يعلن دعم روسيا العسكري لسوريا والعراق


وتطرّق روحاني في سياق كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الاتفاق النووي وما بعده. وهو إذ أشار إلى أن فصلاً جديداً بدأ بين إيران والعالم، وأن طهران عقدت العزم علی فتح أجواء جديدة مع الحفاظ علی مبادئها، أكد أن بلاده مستعدة دائماً للدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء.الرئيس الإيراني التقى نظيره الروسي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كذلك التقى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. وأمام الصحافيين، أعرب مع بوتين عن تضامنهما القوي وطالبا بعمل دول للتصدي لـ«داعش». وأوضح روحاني أن «كل العالم يعرف من الآن وصاعداً أنه إذا لم تجرِ تسوية المشاكل في الشرق الأوسط، فإن هذه المشاكل ستطاول مناطق أخرى وتشمل العالم بأسره»، معتبراً أن «روسيا وإيران تلعبان دوراً مهماً جدياً للحفاظ على أمن المنطقة».
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند اعتبر، بدوره، أنه «لا يمكننا أن نساوي بين الضحايا والجلاد» في سوريا، مستبعداً الرئيس بشار الأسد من أي حل سياسي للنزاع. وحمّل هولاند من على منبر الأمم المتحدة الرئيس السوري مسؤولية الفوضى في سوريا، مشيراً إلى «مأساة ناجمة عن تحالف الإرهاب مع الديكتاتورية».
ورأى أن الانتقال السياسي في سوريا يجب أن يفضي إلى «حكومة انتقالية تتمتع بسلطات كاملة وتشمل أعضاء في الحكومة الحالية وفي المعارضة»، مضيفاً أن «تلك هي القاعدة، فلنستخدمها، فلنمض قدماً». وأبدى أسفه لكون «بعض الدول تريد إشراك بشار الأسد في هذه العملية»، في إشارة إلى روسيا وإيران.
هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، شهد تصريحات بارزة على صعيد الأزمة السورية، يدخل من ضمنها ما عبر عنه رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، الذي أكد أن بلاده مستعدة للعمل مع جميع الدول، بما فيها روسيا، من أجل انتقال سياسي في سوريا وإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش». لكنه أضاف: «في سوريا الجديدة، ينبغي ألا يكون هناك مكان لـ(الرئيس السوري بشار) الأسد ولداعش».
وقال داود أوغلو للصحافيين إن «ما نحتاج إليه الآن هو التضامن مع جميع الدول، بما فيها روسيا، من أجل انتقال في سوريا، انتقال سلمي».




أمير قطر: مستعدون لاستضافة حوار بين إيران ودول الخليج

دعا أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، إلى «التعاون من أجل فرض حل سياسي في سوريا» حيث «تحول (الصراع) إلى حرب إبادة وتهجير جماعي للسكان»، مشيراً إلى أن تلك الحرب «تمتلك تبعات خطيرة على الإقليم والعالم كله، وحتى على الدول التي لا تستعجل الحل». وأبدى أمير قطر في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة استعداد بلاده لاستضافة حوار بين إيران ودول الخليج، موضحاً أن الخلافات بين الطرفين سياسية وليست «سنية شيعية» و«يمكن حلها بالحوار والاتفاق على قواعد تنظم العلاقات بين إيران ودول الخليج، على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وقد آن الأوان لإجراء حوار هادف من هذا النوع، بين دول ستبقى دائماً دول جارة، ولا تحتاج لوساطة احد، ونحن مستعدون لاستضافة حوار كهذا عندنا في قطر». كذلك دعا أمير قطر إلى «تجنيب منطقة الخليج أي أخطاء أو تهديدات نووية». وفي الشأن الفلسطيني، دعا آل ثاني إلى تحقيق تسوية عادلة ودائمة، موجهاً انتقادات إلى إسرائيل، واصفاً إيّاها بأنها «لا تعد شريكاً في السلام».
(الأناضول)