باريس ــ بسّام الطيارة

رغم أن «ملف الإيغور» لم يكن على جدول المباحثات بين وزير خارجية الصين يانغ جيه تشي ونظيره الفرنسي برنار كوشنير، حسبما أكد المتحدث الرسمي الفرنسي برنار فاليرو، فإن الوزير الصيني لم يتردد في الذهاب في اتجاه معاكس لما تروّج له باريس من عقوبات في ما يتعلق بالملف الإيراني. وقال يانغ، إن «الضروري اليوم هو الإسراع في العودة إلى المفاوضات». وهو ما فسّره البعض بأنه «رفضٌ مهذب للعقوبات»، وخصوصاً أنه
أعقب ذلك بالقول «إن المفاوضات جارية للتوصل إلى حل لمسألة تموين إيران بالوقود النووي». لكنّ الوزير الفرنسي شدد من جهته على أنه «لم يسمع جواباً عن مطالب الوكالة الدولية للطاقة النووية»، ما يشير إلى تصميم فرنسي على الذهاب أبعد في العقوبات، ولو أن كوشنير استطرد بقوله «نحن نفهم أننا بحاجة إلى مواصلة المفاوضات.
وقال كوشنير «نحن بحاجة إلى المحاولة وإلى إيجاد حلّ في أسرع ما يمكن من خلال المفاوضات»، وذلك رداً على قول يانغ «إن الصين لا تزال تأمل في إمكان التوصل إلى توافق عالمي بشأن برنامج إيران النووي»، وإنها تريد إيجاد حل سريع للأزمة.
غير أن باريس تعترف بأنه ليس هناك «تطابق في وجهات النظر» في ما يتعلق بالعرض الإيراني، لذلك شدد كوشنير على «أن التفاوض مستمر منذ ٢٠٠٧»، مشيراً إلى «أنهم يضيّعون الوقت ونحن نربح الوقت». وشدد على «أن الصينيين قد صوّتوا معنا ثلاث مرات» في السابق، مضيفاً «سنتابع التفاوض». لكنه اعترف أيضاً «بأنه مرتبك ومتشائم قليلاً» في النتيجة.
هذه التصريحات تدل، إن لزم الأمر، على أن فرنسا لا تزال في مقدمة الدول التي تمسك بحبل التشدد مع إيران والمطالبة بتشديد العقوبات.
ويؤكد خبير مقرّب من هذا الملف، أن «التصميم قد زاد» بعد إعلان طهران تجربة إطلاق صاروخ باليستي إلى الفضاء، فيما نجحت باريس في إقناع فريق واشنطن بالبدء بالتفكير بتوسيع رقعة العقوبات. وهو ما بان خلال مرور وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في باريس، الأسبوع الماضي، التي صرّحت بـ«أن الولايات المتحدة تحاول إقناع الصين بأنه قد حان الوقت لاتخاذ موقف متشدد تجاه إيران»، مضيفة «أنه ينبغي لجميع أعضاء مجلس الأمن الدولي المضي قدماً في فرض عقوبات». وذكرت كلينتون التي التقت كوشنير، موجهة حديثها إلى بكين، أن واشنطن تدرك صعوبة «فرض عقوبات على دولة تحصلون منها على قدر هائل من الموارد الطبيعية التي يحتاج إليها اقتصادكم المتنامي»، إلا أنها أضافت «لكن فكّروا في العواقب على المدى الأطول».
وسألت «الأخبار» المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، برنار فاليرو، في المؤتمر الصحافي الإلكتروني، أمس، عما تمخّض عن لقاء الوزيرين، فأعاد تكرار مقولة «توافق الدول الست ومنهم الصين». إلا أنه وسّع موضوع التوافق فجعله توافقاً على «ضرورة أن تفي إيران بما التزمت به». وعبّر عن «تمنيات فرنسا لحل تفاوضي» قبل أن يشير إلى أن «كل المحاولات لتأسيس حوار جدي بقيت من دون نتيجة». وانتهى إلى أنه بات من الضروري «العمل مع الدول الست لوضع القرارات التي توصلنا إلى الهدف المنشود»، أي إطلاق مسار عقوبات تفضي إلى دفع إيران إلى القبول بوقف تخصيب اليورانيوم.
ويعجب دبلوماسي أوروبي متابع لهذا الملف من «تذبذب الدبلوماسية الفرنسية». ويشير إلى متغيّرات دلّت عليها بعض عبارات الوزير كوشنير عندما يتحدث عن «وجود مشاكل داخلية في إيران يعدّها مهمة جداً»، مثل قوله أيضاً «إننا لا نريد استفزازات جديدة في منطقة الشرق الأوسط هذه»، في إشارة إلى المعارضة الداخلية في إيران. وهذا ما يتناقض كلياً مع تشديد العقوبات التي يمكن أن تفسّر داخل المجتمع الإيراني كأنها «دعم غربي للمعارضة»، كما يمكن أن يحصل إذا «توقّف ضخّ البنزين في محركات السيارات» إذا توقف استيراد وقود السيارات التي تستورده طهران.
في الواقع، فإن الدبلوماسيين يصفون مواقف بكين من الملف الإيراني بأنها تتبع مبادئ «خذ وطالب»، أي إن معارضتهم للعقوبات تنبع من رغبتهم في «تدفيع الغرب ثمناً باهظاً» قبل الموافقة على أي خطوة. هكذا حصل في السابق، وهكذا يمكن أن يحصل غداً: فقد غيّبت باريس الحديث عن بلاد الإيغور وحقوق الإنسان، وفي غياب أي تفاصيل عما جرى تداوله بشأن التيبيت بين الوزيرين يمكن أن تؤخر الصين إجاباتها إلى ما بعد معرض شانغهاي الدولي، الذي سيحضره الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وستلتفت الآن إلى واشنطن حيث الدالاي لاما موجود، وحيث أخذت قرارات بيع تايوان أسلحة.

خاص بالموقع