حاكم إيطاليا يكمّل حصاره الإعلامي


صباح أيوب
«إيطاليا ليست بيتزا، إيطاليا ليست مافيا، ليس لدينا قياصرة». هذا ما كان يردّده الإيطاليون منذ سنوات مدافعين عن تطوّرهم، رافضين الصورة النمطية التي التصقت بهم وببلدهم منذ عهود. لكن شعاراً جديداً انضم منذ فترة إلى تلك العبارات وبات هو الصرخة الموحدة لدى المعارضين الإيطاليين: «إيطاليا ليست برلوسكوني».
«الطليان» غاضبون من حاكمهم سيلفيو برلوسكوني المتربع على عرش رئاسة الوزراء لأطول فترة في تاريخ إيطاليا (من 1994 إلى 1995 ثم من 2001 إلى 2006 ثم من 2008 لغاية اليوم). الشعب بغالبيته ساخط على صاحب أكبر سلطتين في إيطاليا: السياسة والإعلام. «فليسقط الحكم الفاشي»، «فلتسقط الملكية» استعاد الإيطاليون بسرعة الحقبة الفاشية في شعارات رددوها في آخر تظاهرات حاشدة جابت شوارع العاصمة روما وساحاتها.


«الطليان» غاضبون من برلوسكوني لتوليه رئاسة الوزراء لأطول فترة في تاريخ إيطاليا

حاول برلوسكوني (73 سنة)، منذ تولّيه منصبه في الحكم، أن يُبقي صورته حسنة من حيث المظهر الخارجي «الشبابي» والخطابات الحماسية وحملاته الدعائية التي أظهرت قربه من الشعب، والتي لعبت دائماً على وتر إيقاظ المشاعر القومية الإيطالية والافتخار بحضارة «أرقى» من الشعوب الأخرى. وقد ساعده في حملته هذه إمساكه بمصادر «الصورة» والخبر وسيطرته على معظم وسائل الإعلام في بلاده. لكن «أيقونة» برلوسكوني شابها الكثير من التشوّهات في السنوات الأخيرة: قضايا فساد، وتمويل من المافيا، ورشى سياسية، وقمع للحريات وتلاعب بالقانون، وفضائح جنسية، وطلاق، ودعارة... تحوّل برلوسكوني من «الراعي الصالح للوطن الأم» إلى «جيغولو» عجوز ـــــ متصابٍ يغرق في الفساد حتى أذنيه.
تصريحات سيلفيو لم تكن أيضاً على قدر من التوازن والحكمة منذ فترة، وجاءت فجّة ومفاجئة. كما أن حركاته وتصرفاته في العلن بدت محرجة ووقحة، وتفتقر إلى الرصانة واللياقة. في تصريحه الشهير بعد هجمات 11 أيلول، قال برلوسكوني: «يجب علينا أن نتنبّه إلى أن حضارتنا تتفوّق على الحضارات الباقية. ونظامنا يؤمّن العيش الكريم واحترام حقوق الإنسان على عكس الدول الإسلامية».
وفي اجتماع لأعضاء الاتحاد الأوروبي (عام 2003)، دعا برلوسكوني المندوب الألماني إلى التمثيل في فيلم عن مخيمات التغذيب النازية. وفي إحدى مقابلاته الصحافية، غفر سيلفيو لموسوليني أعماله «الوديعة»، فضلاً عن التعليقات الإيحائية الجنسية التي وجّهها الرئيس الإيطالي للصحافيات في المؤتمرات أو حتى لزوجات الرؤساء في الاجتماعات الدولية.
عام 2009 كان حافلاً بالفضائح الجنسية المتعلقة ببرلوسكوني؛ نشرت الصحف صور حفلاته الخاصة مع الفتيات العاريات في قصره الصيفي في سردينيا. واعترفت معظم الفتيات (وإحداهنّ قاصرة) بممارسة الجنس مع رئيس الوزراء لقاء وعود بتسلّم مناصب رسمية.
حالياً، يبدو برلوسكوني كأضحوكة ومهزلة لشعوب العالم وكوصمة عار في تاريخ بلاده. وجاءت حادثة اعتداء مواطن إيطالي على برلوسكوني بضربه بتمثال صغير على وجهه، أصدق تعبير عن الغضب الشعبي تجاهه. ضاقت المعارضة الإيطالية ذرعاً بالوضع القائم، وبعدما فشلت في تأليف جبهة سياسية موحدة وقوية في وجه رئيس الوزراء، باتت تتحيّن فرص التظاهرات الاحتجاجية من وقت لآخر لتعبّر عن حجم غضبها وعدم الرضى الشعبي عن أداء الحاكم.
وفي ظلّ هيمنة برلوسكوني على وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، لم يكن من المعارضة في إيطاليا سوى اللجوء إلى الدواء الأخير... الإنترنت. مئات المواقع الإلكترونية المعادية لبرلوسكوني، ومدوّنات موقّعة باسم «إيطاليون يائسون»، وأشهرها المدوّن ـــــ الفيديو «زورو» الناطق باسم يسار الوسط، وصحف بديلة على الإنترنت وقنوات تلفزيونية على الشبكة (مثل c6.tv) تبثّ أشرطة لتحركات الشارع وتتوجّه برسائل إلى المسؤولين اليساريين وتنشرها على مواقع «يوتيوب» و«تويتر»، إضافة إلى مجموعات شهيرة على «فايسبوك» باسم «أراهن أني أستطيع أن أجد مليون شخص يكره برلوسكوني أيضاً»، وأخرى تدعى «الموت لبرلوسكوني».
إحدى الناشطات الإيطاليات صوّرت أخيراً التظاهرات التي نظمّها

لبّى نحو نصف مليون ناشط دعوة «فايسبوك» لإحياء يوم «لا لبرلوسكوني»


الموظفون، الذين لم يتقاضوا رواتبهم، والتي لم تغطّها أي وسيلة إعلامية، ونشرتها على الإنترنت بالصوت والصورة. وفي شهر كانون الأول الماضي، لبّى نحو نصف مليون ناشط الدعوة التي أطلقت على «فايسبوك» للتجمّع في روما إحياءً ليوم «لا لبرلوسكوني». بات جلّياً مدى تأثير الإنترنت على تحركات المعارضة في إيطاليا، فاستغلّت السلطة حادثة الاعتداء على برلوسكوني الأخيرة، وأمرت بإغلاق عدد من المواقع والمدوّنات بحجّة أنها «تحضّ على العنف والكره تجاه الرئيس».
أيقن سيلفيو أخيراً أن هناك جمهوراً واسعاً من الإيطاليين لا يشاهد برامج محطاته وأخبارها الخاضعة لرقابته، وهم لا يقرأون صحفه ولا يصدّقونها، بل يملكون شبكة إعلامية واسعة جداً أفلتت من قبضته. لذا، سارع وزير الإعلام باولو روماني، في كانون الأول الماضي، إلى تقديم مشروع قانون سُمّي بـ«مرسوم روماني»، وهو يقضي بإخضاع كل المواد التي تبثّ على الإنترنت في إيطاليا إلى الرقابة، ومواد «يوتيوب» ضمناً. وبموجب هذا المرسوم، يحقّ للهيئة الناظمة لوسائل الإعلام أن تعاقب موزّعي الإنترنت بتغريمهم مبلغ 150 ألف يورو إذا سمحوا بتمرير مواد «عنفية» أو «محرّضة على الكره». هكذا، يكون برلوسكوني قد تمكّن من إخضاع الإنترنت الإيطالي لقواعد الرقابة نفسها التي تخضع لها القنوات التلفزيونية الإيطالية. فهل يتحوّل موزّعو الإنترنت في إيطاليا إلى شرطة آداب إلكترونية؟


تحرّكات مواكبة ومن التحركات التي سترافق جلسة إقرار المرسوم اليوم، تظاهرة أمام السفارة الأميركية في روما دعت إليها مجموعة على «فايسبوك» اسمها «السيّد الرئيس ساعد الإنترنت في إيطاليا». كذلك سيعرض «يوتيوب» صفحة بيضاء تقول للمستخدمين الإيطاليين: «عذراً، لكن السلطة الإيطالية لم تسمح لنا ببثّ محتوانا بعد».