غداً تُحسم نتائج الانتخابات الرئاسية الأوكرانية. هكذا تقول المقرّرات الرسمية. إلا أنه يبدو أن السلطة مقبلة على صراع ثلاثي الأبعاد


موسكو ــ حبيب فوعاني
تشهد أوكرانيا غداً الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وهي الرابعة منذ حصول هذه الجمهورية السوفياتية السابقة على الاستقلال، قبل 18 عاماً. ويحافظ الرئيس المقبل، بحسب تنبّؤات المراقبين، رئيس حزب الأقاليم الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، على هدوئه الظاهري، محاولاً البقاء بعيداً عن الأضواء. يقتصد في إطلاق التصريحات حتى لا يرتكب الهفوات.
في المقابل، تلعق رئيسة الوزراء الأوكرانية الحالية يوليا تيموتشينكو، جراح هزيمتها في الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت في 17 الشهر الماضي، بنيلها 25 في المئة من الأصوات، في مقابل 35 في المئة ليانوكوفيتش.
ولا تعوّل تيموتشينكو، التي اختارت التقاط صورة لملصقاتها الانتخابية مع نمرة صغيرة، على هزيمة يانوكوفيتش في الجولة الثانية. وسيكون وصولها إلى سدة الرئاسة في الظروف العادية مهمة مستحيلة. لذا تسعى رئيسة الوزراء، التي شبهتها إحدى الصحف الألمانية بـ «طاقة نووية خطرة فُقدت السيطرة عليها»، إلى تقليص الفارق مع منافسها في الجولة الأولى، الذي بلغ نحو 10 في المئة، ما سيمنحها المبرّر الكافي لاتهام حزب «الأقاليم» بالتزوير، واعتبار الانتخابات باطلة وإعادتها للمرة الثالثة، أو إلغائها بالكامل. الأمر الذي سيسمح للرئيس الحالي فيكتور يوتشينكو بالبقاء في منصبه بضعة أشهر أخرى. وستحاول تيموتشينكو الاتفاق مع يوتشينكو، بعد إفشال الانتخابات، على عدم السماح ليانوكوفيتش بتسلّم السلطة، وإلغاء الانتخابات الرئاسية حتى موعد إجراء الانتخابات البرلمانية في 31 أيار المقبل.
إلّا أنها تلقّت يوم الأربعاء الماضي ضربة موجعة حين صوّت البرلمان الأوكراني «الرادا العليا» على تعديلات تسقط معها الحاجة إلى النصاب في عمل اللجان الانتخابية، المكلّفة بفرز الأصوات، والمؤلّفة من أنصار كلا المرشحين. فأنصار يانوكوفيتش كانوا يتخوّفون من عدم ذهاب أنصار تيموتشينكو إلى أقلام الاقتراع لعدّ الأصوات، ما كان سيجعل إعلان نتائج الانتخابات أمراً شبه مستحيل.
في ضوء ذلك، هدّدت «الأميرة البرتقالية»، كما كان الأمر عام 2004، بالنزول إلى «ميدان» الاستقلال. فقبل 6 سنوات، أجبر الشارع السلطات على إعادة الانتخابات بعد فوز يانوكوفيتش بنسبة 3 في المئة على يوتشينكو. لكن الأمر انتهى في الجولة الثالثة بفوز الأخير بالرئاسة.
ويشير مراقبون إلى أن تيموتشينكو تنوي تعطيل الانتخابات في شرق أوكرانيا، حيث قاعدة يانوكوفيتش الانتخابية. وكانت تخطّط لاستخدام 2000 «مراقب» من جورجيا مفتولي العضلات. لكن الفضائح التي تورّط فيها هؤلاء، أجبرت الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي على سحبهم.
غير أن المعطيات الآن مختلفة. فبعكس إدارة جورج بوش الابن، التي صرفت أموالاً طائلة وجهوداً حثيثة بواسطة المنظمات الأميركية غير الحكومية لإنجاح «الثورة البرتقالية»، لا تهتم إدارة باراك أوباما كثيراً بهذه الانتخابات، بسبب انشغالها بإيران وأفغانستان والعراق والميزانية والشؤون الصحية في الولايات المتحدة. تُضاف إلى ذلك الحاجة الماسة إلى تعاون موسكو في الملفّين الإيراني والأفغاني، ولإبرام معاهدة جديدة بشأن تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، حتى إن مستشار وزارة الخارجية الأميركية صموئيل شاراب، دعا الأوكرانيّين إلى «الاسترشاد بمصالحهم القومية»، مصيفاً إن «فوز يانوكوفيتش لا ينبغي أن يفزع أحداً»، إضافةً إلى ذلك، فتيموتشينكو الآن هي رئيسة الوزراء، التي تتحمّل إلى جانب الرئيس يوتشينكو، مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وموسكو من ناحيتها، لم ترتكب خطأها السابق هذه المرة بوضع البيض كله في سلة يانوكوفيتش، ونأت بنفسها عن الانتخابات، ووقفت من المرشحين على الأقل علنياً على مسافة واحدة، لأنّ أيّ رئيس جديد سيكون عليه الأخذ بالاعتبار شؤون الاقتصاد وصنبور الغاز الروسيّ.
بيد أن تيموتشينكو لن تستسلم. ويرى محلّلون أن أوكرانيا مهدّدة بأن تتحوّل إلى بلد بثلاثة رؤساء: الرئيس الحالي يوتشينكو كضمان للدستور، ورئيسة الوزراء تيموتشينكو، والرئيس الجديد المرجّح يانوكوفيتش.
ويؤكد المحلل السياسي الأوكراني فيتالي بالا أن أوكرانيا على أعتاب «مواجهة سياسية مطوّلة»، مضيفاً إنه «حتى لو اعترف القضاء بفوز أحد المرشحين، فإن هذا المرشح لن يتمتّع بثقة المواطنين، وسيشكّك نصف الأوكرانيين في شرعيته، والأمور ستتفاقم بحيث لا يستبعد أن تعاد الانتخابات».
لكنّ لجنة الانتخابات المركزية الأوكرانية تؤكّد أنْ «لا جولة ثالثة من الانتخابات». ويؤيّدها في ذلك محلّلون يرون أن «الأوليغارش لن يسمحوا بحدوث فراغ في السلطة، وسيجبرون الفريقين على الاتفاق».