وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنير، قرر توديع الدبلوماسيّة العفوية التي طبعت عهده، ليتحوّل إلى اللغة الخشبيّة ومحاصرة الإعلاميّين


باريس ــ بسّام الطيارة
مضت ثلاث سنوات وفرنسا تعيش المحاولات الساركوزية العنيفة لـ«تطويع» الصحافة الفرنسية. نجحت في بعض المرافق وفشلت في بعضها الآخر، بعدما أثارت ردّات فعل متفاوتة. أما وزير الخارجية برنار كوشنير فهو عوّد الإعلام تصريحات «قوية ومتناقضة»، ويتّفق الجميع على أنها «مصبوغة بالعفوية والصراحة»، مع أنها تذهب في معظم الأحيان عكس أصول الدبلوماسية، وهو ما كان يُضفي على العلاقة بينه وبين الإعلاميين أجواءً من الود. ودّ كان يودي في كثير من الأحيان بمسؤولي الإعلام في الكي دورسيه إلى اللهاث وراء الصحافيين «لنفي ما سُجِّل بصوت الوزير». لكن يبدو أن الغيرة من الرئيس نيكولا ساركوزي قد اندسّت لدى كوشنير، الذي كثرَ الحديث عن إمكان عدم عودته إلى الكي دورسيه، فقرر «كسر هذا الوئام مع الصحافة». وأعطى أوامر لنقل العلاقة إلى «قوالب جامدة» تزيد من صلابة اللغة والتفسيرات وتنقلها من عالم الأخشاب إلى عالم الفولاذ. ويمكن تبيان هذه السياسة الجديدة عبر مشاهدة التغييرات التي طرأت على طريقة تنظيم المؤتمرات الصحافية الأخيرة للوزير، فالدعوات ترسل إلى «مئات الصحافيين» بحيث يحضر عدد وافر منهم، وبعد فترة انتظار تطول أو تقصر لأسباب يصعب تفسيرها، يجد الصحافيون أنفسهم أمام طريقتي تعامل؛ إما يجري «إلغاء المؤتمر» بحجج واهية، التعب مثلاً، أو تُفرض «حصرية للأسئلة» كما حصل قبل يومين مع الوزير الصيني، إذ وُزّعت الأسئلة مسبقاً بين وكالة أنباء فرنسية ووسيلة إعلام صينية. أسلوب مستنسخ من الإدارة الأميركية السابقة، التي تفنّنت في «محاصرة الإعلاميين المشاغبين».
وللتحايل على هذا «الحظر»، يلجأ الإعلاميّون إلى وضع أسئلة على الرسائل الإلكترونية أو المؤتمرات عبر الإنترنت أو سؤال عبر الهاتف، ويأتي الجواب دائماً بعد فترة «تسمح للمجيب»، أي جهاز الإعلام في الكي دورسيه، الذي يشهد الجميع بمهنيته تحت إشراف الناطق الرسمي البارع المخضرم برنار فاليرو، بالتفكير ملياً والبحث والتنقيب لتأتي الإجابات «متناسقة ومهندسة ورتيبة». كذلك فإن الأجوبة تكون مكتوبة ومتماثلة للجميع، بحيث تفتقد وسائل الإعلام أي تمايز في مصادر أخبارها.
من هنا، يمكن القول إن الكوشنيرية الإعلامية ستترك بصماتها على الدبلوماسية الفرنسية في جعلها رقمية باردة ومنضبطة، بعدما كانت قد أدخلت عليها نوعاً من العفوية اللادبلوماسية اللطيفة.