لإعجاب الغرب الأوروبي والأميركي بالنموذج الإسلامي الذي تقدّمه تركيا، أسباب لا يمكن اختزالها بالخيارات السياسية فقط، أو بالتوجه الاقتصادي فحسب، أو بالخلفيات الدينية العقائدية وحدها. هنا محاولة للعودة إلى جذور التيارات الدينية التركية، التي بقيت بعيدة نسبياً عن الإسلام الجهادي، ولخزّان الإسلام التركي الذي حلّ مكان الصوفية: معاهد إمام خطيب


إعداد: أرنست خوري
منذ زمن طويل، وقبل انتهاء الحرب الباردة بكثير، تحديداً منذ إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924، وجد الغرب «المسيحي» النموذج الإسلامي الذي لطالما بحث عنه. منذ انقسم العالم إلى معسكرين: شيوعي ورأسمالي، عرف «الحلفاء» أنّ لديهم خاصرة رخوة اسمها تركيا، إن سقطت بيد «الحمر»، سقطت حربهم الباردة لمصلحة موسكو، وإن كانت هذه الخاصرة أشدّ، بقيت حدودهم الشرقية آمنة.
منذ تلك الفترة، فعل الأطلسيون كل شيء لإبقاء الوضع تحت السيطرة في تركيا: أدخلوا هذا البلد في حلفهم الشمالي. دعموه عسكرياً واقتصادياً. سكتوا عن ديكتاتورية جيشه. نشروا فيه الصواريخ وأقاموا القواعد العسكرية. شجّعوا جنرالاته على إنشاء عصابات «شرعية» اسمها «إرغينيكون»، ظلت حتى الأمس القريب الدولة العميقة أو حتى الدولة الحقيقية. وعدوا حكّام أنقرة بضم دولتهم إلى الاتحاد الأوروبي. سكتوا عن الانقلابات التي كانت في كل مرة تطيح احتمال تعزيز اليسار التركي لوضعه. وتتمة الحكاية معروفة حتى انتهاء الحرب الباردة التي لم تطوَ صفحتها في تركيا إلا في مطلع الألفية الثالثة.
مذ ذاك التاريخ، أصبح هناك عدوّ عالمي جديد: الإسلام الراديكالي الجهادي. عندها أيضاً كانت تركيا حليفاً استثنائياً، بما أنّ إسلامها يحمل كل ما يحلم الغربيون بأن يجسّده. دينياً، هو نسخة إسلامية «قادرة على التوفيق بين التقاليد الدينية والحداثة»، في القوانين والاقتصاد والمجتمع، وفق تييري زاركون في كتابه «la Turquie moderne et lislam». إسلام يحمل إرثاً من الصوفية التي حاول مصطفى كمال أن يقضي عليها، رغم أنها فلسفة ترتكز على تجاهل معتنقيها الشؤون الدنيوية والسياسية خصوصاً، على حساب «التقاعد في المجتمع» والتفرغ لعبادة الله والطبيعة، بناءً على تعاليم النقشبندية، إحدى أهم الطرق الصوفية. وفي رأي الغرب نفسه، كانت الصوفية على الطريقة التركية «ثورة ثمينة في الإسلام، كان يجب تشجيعها بدل حظرها كي لا تُستبدَل بالإسلام الراديكالي»، على حد تعبير فابريس بوسوليني في مجلة «L’Express».

الصوفيّة ركن أساسي في الإسلام التركي المسالم وغير الجهادي بغالبيته
وبغض النظر عن التمييز بين السُّنة والعلويين (نحو 20 في المئة من المسلمين في هذه الدولة)، يحمل الإسلام التركي عموماً، بذور اللاعنف، بخلاف جميع تيارات الإسلام الجهادي. نقطة لا ينفك الغرب يشيد بها، ليس فقط سياسياً، بل في جميع الدراسات الأكاديمية والصحافية التي تصدر عنه عند التطرق إلى تركيا. هكذا يمكن إيجاد التراث الصوفي، الذي يتأثّر به حتى حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، في أدبيات الغرب الذي يستحضر في مناسبات عديدة الحِكَم الصوفية التي تؤثر حتى اليوم بسلوك معظم فروع الإسلام التركي. على سبيل المثال، يقول يونس إمري، أحد أبرز وجوه التيار الصوفي التركي الذي عاش في القرن الثالث عشر: «عندما تبحث عن الله، ابحث عنه في قلبك، فهو ليس في القدس ولا في الحج». كلام يمكن صرفه اليوم لتبرير تمسّك الغرب بأن يبقى الإسلام التركي محصوراً بحدود الجمهورية، بعيداً عن فلسطين والعالم العربي.
أكثر من ذلك، فإنّ حجي بكتاش والي (صوفي من القرن الـ13 أيضاً) يجزم بأن «ألف رحلة حج إلى الكعبة قيمتها أقل من الوصول إلى قلب واحد».
أمّا الجذور الدينية الصرفة التي يعود إليها الكتّاب الأميركيون والأوروبيون لتأكيد الطابع السلمي اللاعنفي للإسلام التركي، فهي واضحة في عبارات جلال الدين الرومي (مولانا): «تعال أيّاً يكن من تكن. سواء كنت كافراً أو مؤمناً أو وثنياً. معبدنا ليس مكاناً لليأس. تعال حتى لو حنثت مئة مرة بقسمك».
ومن شعارات الصوفيين، المنتشرين على نحو واسع في تركيا: «أريد أن أحرق الجنّة وأطفئ جهنّم لأعرف من يعبد الله حباً به، لا خوفاً من الجحيم أو يأساً من إمكان الوصول إلى الجنة»، هذا طبعاً إضافة إلى أنّه «لا إله إلا العشق».
جميعها جذور لإسلام تركي أخذ من الصوفية النزعة السلمية، وقرّر تعاطي السياسة بصفته «معتدلاً»، وهو ما يرى فيه عدد كبير من المسلمين كل شيء إلا الإسلام، ويشهد على ذلك عدد المواقع على الإنترنت التي تشنّ حملات على الداعية التركي فتح الله غولن وحزب «العدالة والتنمية» ونموذج الإسلام «الناعم»، غير الجهادي، الذي يروّجون له. وهو إسلام ينال إعجاب الغرب لأسباب أخرى إضافية لا علاقة لها بالدين أو الثقافة، أبرزها اعتناقه مذهب الليبرالية الاقتصادية بأشكالها الأكثر توحشاً، مع كل الوصفات الكارثية للصناديق المالية الدولية، من خصخصة إلى إعادة هيكلة وإلغاء الضمانات الاجتماعية وتقليص دور الدولة وفتح الأسواق وإلغاء الحمايات والرسوم الجمركية وتحرير عمل الأسواق المالية... وتشهد التحركات الاجتماعية التي لم تهدأ منذ شهر في تركيا، على مدى اتساع دائرة فئات المتضررين من السياسات الاقتصادية لحكومة «العدالة والتنمية».
وفي ظل القضاء على جزء كبير من التيارات الصوفية في تركيا، أدّى التعليم الديني الرسمي، متجسداً بمعاهد «إمام خطيب»، دور الخزّان الرئيسي للحركة الاسلامية. وهناك مفارقة كبيرة تتمثّل في أنّ التعليم الديني شهد ازدهاراً وتنامياً عقب الانقلابات العسكرية (باستثناء انقلاب ما بعد عام 1997)، بهدف تطويق النزعات اليسارية المتنامية آنذاك.
وقيمة معاهد «إمام خطيب» الحكومية، التي أنشئت عام 1951، تتعدّى الحيّز الأكاديمي، إذ إنها شأن سياسي بامتياز منذ كانت وسيلة لمكافحة كل من الشيوعية والإسلام المتشدّد. إنها النسخة الإسلامية التي يفضّلها النظام، بحيث اخترع هذا النموذج ليكون المؤسسة الحكومية لتخريج الأئمة، الموظفين الحكوميين في تركيا، ولكبح أي احتمال لصعود مدرسة إسلامية تروّج للجهاد كـ«أداة نضالية». هكذا على سبيل المثال، أدخل دستور ما بعد انقلاب 1980 مادة الثقافة الدينية والأخلاق، على النظام الأكاديمي.
وهناك اليوم نحو 500 معهد «إمام خطيب» في تركيا، يدرّسون أكثر من 100 ألف طالب وطالبة، وهي مدارس عادية بمثابة المرحلة الثانوية في التعليم، وتخصّص 8 ساعات لتدريس القرآن أسبوعياً، و15 ساعة للغة العربية، علماً بأنّ هذه المعاهد مختلَطة بين الجنسين. وقبل «الانقلاب الناعم» على نجم الدين أربكان عام 1997، كان الطالب(ة) يستطيع دخولها منذ المرحلة المتوسطة، لا الثانوية.
معاهد «إمام خطيب» الحكوميّة كانت خزّان الإسلام التركي لتطويق الشيوعية
وعلى الدوام، كانت هذه المعاهد محلّ مضايقة السلطات تارة، وحسن تعاطيها تارة أخرى. وسبق لحكومة مسعود يلماز عام 1997 أن اتخذت قراراً يمنع دخول خرّيجي طلاب «إمام خطيب» إلى الجامعات، باستثناء اختصاص العلوم الدينية، في نسخة طبق الأصل عن قرار نهاية العام الماضي، حين قرّر مجلس شورى الدولة حرمان طلاب «المهنيّات» (تندرج في خانتها معاهد إمام خطيب) حقّ الانتساب إلى الجامعات. وأدّى قرار حكومة يلماز، ومن قبله قرار حصر حق الدخول إلى المدارس الدينية ابتداءً من المرحلة الثانوية بدل المتوسطة، إلى انخفاض حاد لعدد طلابها. وتشير بعض الأرقام إلى أن هؤلاء كانوا يُقَدّرون بـ200 ألف في 1997، بينما لم يتخطّوا الـ85 ألفاً عند وصول «العدالة والتنمية» إلى الحكم عام 2002. لكن، مع ما حمله تسلّم الحزب الإسلامي المعتدل الحكم من انتعاش «الروح الدينية»، ارتفع عدد طلاب «إمام خطيب» من جديد، وهو ما يرى فيه البعض سبباً موجباً لصدور قرار منع انتقال روّاد هذه المعاهد إلى الجامعات، لأنّ عددها تخطّى «الخطّ الأحمر».
واليوم، عدد كبير من كوادر «العدالة والتنمية» ومسؤوليه هم من خرّيجي «إمام خطيب»، يتقدّمهم رجب طيب أردوغان الذي درس في معهد إسطنبول، وحصّل بعدها شهادة جامعية في الاقتصاد والتجارة من جامعة مرمرة. حقيقة يجد فيها العلمانيون تهديداً عظيماً، قرّروا مواجهته من طريق إفراغ المعاهد بدل إقفالها. بكلام آخر، فهم أرباب العقيدة الكمالية، أنه حري بهم تنفير الطلاب من «إمام خطيب» من طريق سدّ منافذ المستقبل المهني التي كانت تقدّمها، بدل إقفالها وإثارة جمهور متأثّر جداً بالموجة الاسلامية.
سلوك آخر تمارسه السلطات التركية تجاه «محبّي الإسلام»، يتجسّد في كيفية التعاطي مع مدارس تعليم القرآن التي لا تفتح شهادتها (3 سنوات) أي مجال للعمل لحامليها. فحتى الأئمة لا يتخرّجون منها، بل من «إمام خطيب»، لذلك باتت هذه الشهادة، بالنسبة إلى من يطمح إلى نيلها، خياراً تكميلياً لاختصاص آخر، يدرسها بالتوازي بما أنّها لا تضمن أي وظيفة. وهنا أيضاً نجحت السلطات في وأد مدارس تعليم وتحفيظ القرآن والسيرة النبوية والتجويد، بدل حظرها، من خلال إخضاعها لسلطات عديدة معظمها أمني الطابع وهي: دائرة مكافحة الإرهاب ومديرية الأمن وسلطات المحافَظة والشرطة، إضافة إلى وزارات الصحة والتربية ودائرة الأوقاف والإفتاء.

دين الطبقة الوسطى«هناك الإسلام التجاري للطبقة الوسطى الذي ينتشر بصورة خاصة لدى البورجوازيين في الدول الإسلامية، ومن الممكن أن يتحول هذا الإسلام إلى إسلام المجتمع المدني المسلم عموماً. إنه إسلام معتدل ومحافظ لا يقف عائقاً في طريق التجارة أو إتمام الصفقات. إسلام يخشى مُصلحي العالم من اليساريين، ويخشى كذلك المتحمّسين الإسلاميين الراديكاليين. نجد أنموذجاً مثل هذا الإسلام المتجانس اليوم في تركيا، وتأثيره على العالم العربي واضح جلي. وحسب تقديري، فإن هذا الإسلام المنبثق من الطبقة الوسطى ستكون له الكلمة العليا، وسيسود لفترة طويلة مقبلة، إذا استطاعت الدول والمجتمعات العربية أن تصل إلى قدر من الاستقرار والديموقراطية».

■ ■ ■

دين رسمي... وآخر شعبي

في تركيا إسلامان: الأوّل رسمي، والثاني شعبي. الأوّل يكره نفسه، سمته الأبرز أنه يحمل جرعة زائدة من القومية على حساب أممية دين محمد. أكثر ما يمكن مطالبته به هو الاعتراف بأنّ 99 في المئة من الشعب التركي مسلم. قصص منعه للحجاب وملاحقة رموز الإسلام وإخضاع الدين لرقابة السلطات العامة والتوجّس من أي تسييس للدين، أصبحت أكثر من معروفة.
أما الثاني، أي إسلام الناس، فيمارس التقية حيناً، والهرب إلى «تحت الأرض» وداخل المنازل حيناً آخر، والتعبير عن نفسه في تنظيمات دينية «حقيقية» لكن خارج تركيا أحياناً.
وبعيداً عن التمييز ما بين المذهبين السني والعلوي، ليس غريباً البتّة أن يكون إسلام أوروبا (في ألمانيا خصوصاً)، تركي الجذور بغالبيته؛ من الحركات الصوفية إلى «ميلي غوريش» (النظرة الوطنية) إلى مؤسسات فتح الله غولن وصولاً إلى «الدولة الفدرالية الإسلامية»، أحد التنظيمات الإسلامية التركية اليمينية المتطرفة.
ويُختَصَر الإسلام الرسمي في تركيا باسم واحد: «مديرية الشؤون الدينية». «جمهورية» هائلة تأسّست عام 1924 وينتمي إليها 85 ألف موظف حكومي. تتمتع بموازنة كبيرة، ومن بين صلاحياتها تنظيم رحلات الحج السنوية إلى مكة، ونشر الدراسات الإسلامية من خلال إحدى مؤسّساتها «الوقف». كما تنشر دورياً النسخة التركية من موسوعة الإسلام. تتولى أيضاً التنسيق مع أتراك الشتات، في أوروبا خصوصاً، حتى أنها باتت أقوى من منظمة «ميلي غوريش» في بعض الدول الأوروبية، إضافة إلى مدّها جسور التواصل أخيراً مع الدول السوفياتية السابقة ذات الغالبية الإسلامية والجذور التركية.
تلقائياً، يصبح أي تجمع غير منضو في هذه المديرية، إسلاماً شعبياً، تعبّر عنه مجموعة كبيرة من الأخويات التي أوصلت حتى اليوم 3 رؤساء للجمهورية، هم تورغوت أوزال ونجم الدين أربكان وعبد الله غول ورفاقه الحاكمون منذ 2002، وهم بغالبيتهم الساحقة تلامذة سابقون لأربكان و«ميلي غوريش» خاصته.
وأبرز تنظيمات الإسلام غير الرسمي في تركيا وفي خارجها، الآتي:
ــــ «ميلي غوريش»: هي أكبر التنظيمات الإسلامية التركية غير الرسمية في أوروبا. تأسّست عام 1971، وأخذت اسمها لاحقاً من عنوان كتاب أصدره أربكان في عام 1973، وضمّنه مبادئ إسلامية عامّة إضافة إلى ما يجدر فعله من أجل بناء جمهورية إسلامية في تركيا، ومن أجل الأمة الإسلامية عموماً، من تصنيع وتنمية واستقلالية اقتصادية عن أوروبا التي رفض مشروعها الوحدوي، وتقارُب تركيا من اتحادها. كما وصف أربكان، في بيانه الشهير نفسه، السوق الأوروبية المشتركة بأنها مشروع صهيوني ــــ كاثوليكي يهدف إلى نزع السمة الإسلامية عن تركيا، حاثاً في المقابل على تقارب تركيا اقتصادياً من الدول الإسلامية بدل الخيار الغربي.
يقودها اليوم محمد صبري أربكان، ابن شقيق نجم الدين. تنشط في أوساط أتراك المهجر. حتى أنّ بعض الأرقام تتحدّث عن أنّ عدد أعضائها في الدول الأوروبية يزيد عن 300 ألف. مركزها في مدينة كربن في مقاطعة رينانيا الشمالية ـــــ وستفاليا في ألمانيا، وتتبع لها 30 مؤسّسة في أوروبا، و511 مسجداً و2137 تنظيماً شبابياً وطلابياً ونسائياً.
تجهد «ميلي غوريش» إلى عدم تثبيت إقامة أي علاقة معلنة مع أحزاب أربكان داخل تركيا (اليوم حزب السعادة) لسببين: الأول هو أن القانون التركي يمنع أي حزب من أن يكون له منظمات في دول أجنبية، والثاني لأنّ الهدف الرسمي لـ«ميلي غوريش» في ألمانيا هو «تمثيل حقّ الأقلية الإسلامية في ألمانيا في تطبيق الشريعة».
بعد صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا، واجهت هذه «الأخوية» هجمات إعلامية وسياسية قوية، قد يكون سيغمار غابرييل، رئيس إقليم ساكسونيا السفلى الألمانية، أبرز من عبّر عنها عندما قال: «إنّها شبيهة بحركة حماس، ومناصروها هم أنفسهم مناصرو أسامة بن لادن»، وهو ما ينفيه الطبيب محمد صبري أربكان.
ــــ السليمانيون: أسّسها الشيخ سليمان حلمي تونهان الذي توفّي عام 1960، وانضمّ عدد كبير من أعضائها إلى حزب «العدالة والتنمية»، ويحتلّ عدد منهم مقاعد برلمانية وحتى حكومية في أنقرة. يدورون، كما «جماعة النور»، حول الطقوس الصوفية التي يجسّد النقشبنديون تجلياتها في تركيا.
ــــ «جماعة النور»: منتشرة خصوصاً في شرق البلاد وجنوب شرقها، أي في المناطق ذات الغالبية الكردية خصوصاً، وهي تتميز بتوفيقها بين الإيمان بالله وبالعلم. وبعدما انشقت الحركة على نفسها بين جماعة «آسيا الجديدة» و«جماعة النور الجدد» وجمعية فتح الله غولن، سهل على السلطات تفتيتها، إلا أنها لا تزال تضم أكثر من مليوني عضو يتوزعون بين تركيا وألمانيا والسويد والولايات المتحدة، حسب ما يؤكّده كتاب Radicalismes islamiques‚ Paris‚ L’Harmattan‚ t. 1‚ 1985.

ما قل ودل

تجهد حركة الداعية التركي الإسلامي الأشهر في العالم، فتح الله غولن، إلى توسيع مؤسساتها في العالم العربي، علماً بأنها منتشرة جداً في تركيا والولايات المتحدة ودول البلقان وآسيا الوسطى وعدد من الدول الأوروبية الغربية. وآخر محطاتها في العالم العربي، كان حين استضافت العاصمة المصرية، القاهرة، مؤتمراً دولياً دام 3 أيام، بين 19 و21 تشرين الأول 2009، بعنوان «مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي: خبرات مقارنة مع حركة فتح الله غولن التركية». وحُدّد هدف المؤتمر بـ«تعريف النخب العربية والمصرية، والجماعة الأكاديمية خاصة، على نموذج التجربة الإصلاحية التي تمثلها حركة الشيخ محمد فتح الله غولن في تركيا».

«إمام خطيب»: نموذج تعليمي للتصديراليوم، بات هناك معاهد «إمام خطيب» في بلغاريا. وطلبت السلطات الباكستانية من نظيرتها التركية دعمها بخبراء وعلماء لتعميم هذه المعاهد في باكستان، تماماً كما سبق لروسيا أن فعلت، قبل أسبوعين، عندما أرسلت وفداً إلى تركيا لدراسة تفاصيل عمل «إمام خطيب» بهدف الاستعداد لبناء معاهد مماثلة في روسيا.
وبموجب اتفاق ثنائي وُقّع أخيراً، سيتلقّى 100 طالب روسي دراساتهم المعمّقة بالعلوم الإسلامية في تركيا العام المقبل. حتى أنّ عدداً من المدرّسين والعلماء الأتراك سينتقلون إلى الأراضي الروسية ليشرفوا على تأمين تعليم إسلامي «معتدل» لمسلمي روسيا المتعاظمي الأعداد. وسبق للسلطات التركية أن أنشأت معهد «إمام خطيب» في منطقة قيصري التركية، متخصّصة بتدريس الطلاب الأجانب، ويجري الاستعداد لفتح فرع آخر في اسطنبول.
وتضمّ مدرسة «مصطفى جرملي» في قيصري 325 طالباً من أفغانستان وألبانيا وأذربيجان والبوسنة وجورجيا وكازاخستان وكوسوفو وقرغيزستان ومقدونيا ورومانيا وصربيا وتايلاندا وأوكرانيا. وخلال زيارة رجب طيب أردوغان إلى إسلام أباد، في أواخر 2008، طلب نظيره يوسف رضا جيلاني منه رسمياً تزويده بتفاصيل عمل هذه المعاهد التركية، وأبلغه برغبة بلاده اعتماد نموذجها من ضمن خطة طويلة الأمد للتخلص من الإسلام المتشدّد، بما أنّ المدارس الدينية الباكستانية هي المصدر الرئيسي لتخريج «أجيال طالبان». والحال مشابه في الوضع الأفغاني، حيث «لزّمت» كابول رسمياً أنقرة تحديث النظام التعليمي الأفغاني، وتعميم نموذج معاهد «إمام خطيب» لتكون بديلاً من المدارس الدينية الأفغانية التي تخرّج معظم كوادر حركة «طالبان» والتيارات التي تدور في فلك تنظيم «القاعدة».
ووقّع وزير التعليم الأفغاني، فاروق ورداك، مع نظيره التركي نعمت جوبوكجو، خلال قمة اسطنبول التي عقدت في أواخر كانون الثاني حول أفغانستان، اتفاقاً بشأن هذا الموضوع، وعقد مؤتمراً صحافياً بعدها قال فيه «زرتُ معاهد إمام خطيب في تركيا حيث 60 في المئة من المنهج هو عبارة عن مواد علمية أكاديمية، و40 في المئة علوم دينية»، كاشفاً أنه طلب من السلطات التركية تشييد مثل هذه المعاهد «كونها تزيل مشكلة التمييز الواقع ضد الفتيات الأفغانيات، بما أن هذه المعاهد مختلطة من ذكور وإناث».
وحسب مصادر وزارة الخارجية التركية، سيفتتح الرئيس عبد الله غول، عند زيارته المرتقبة إلى كابول خلال الربيع المقبل، 68 مدرسة تركية.
وتعليقاً على مساعي استيراد معاهده، أعرب كوركوت، عن اعتزازه بأن تكون تركيا «نموذجاً إسلامياً عالمياً»، وفي الوقت نفسه، عن رفضه استخدام «إمام خطيب» أداة للتفرقة بين المسلمين «على أساس معتدلين ومتطرفين».

■ ■ ■

«الدولة الإسلاميّة الفدراليّة الأناضوليّة»

أحد أبرز ما يجمع التنظيمات الإسلامية التركية، ابتعادها عن العنف كوسيلة نضالية إيمانية. إلا أنّ الاستثناءات من هذه القاعدة لم تعد قليلة منذ تأسست «الدولة الإسلامية الفدرالية الأناضولية» في ألمانيا في 1983، على يد المفتي السابق لأضنة كمال الدين كبلان، الذي اختار المنفى الاختياري في كولوني (ألمانيا)، وهو الذي مرّ على صفوف «ملي غوريش». إلا أنّ غالبية التنظيمات المتشدّدة في المهجر، جمعتها خاصيّة مشتركة هي حصر أهدافها بتغيير الأوضاع في تركيا، لا في الدول (الأوروبية في الغالب) التي يقطن فيها قادتها بصفة لاجئين سياسيين طوعيين أو قسريين. ظاهرة تفقد مع الوقت تماسكها، وخصوصاً بعدما بات لأتراك الشتات جيل ثالث وُلد في أوروبا، ولم يعد هناك الكثير مما يربطهم بوطنهم الأم، شأنهم شأن جميع الهجرات في التاريخ. ومن خاصيات أتراك أوروبا، تديّنهم الشديد، إذ أظهر استطلاع للرأي في بلجيكا أنّ نحو 80 في المئة من الأتراك في هذا البلد يرتادون مساجد جماعاتهم وأخوياتهم.

الأئمّة «آلات تسجيل»

سجّلت مرحلة ما بعد انقلاب شباط 1997 ضد حكومة نجم الدين أربكان، أسوأ الحقبات بحق مسلمي تركيا. فبين 1997 وأواخر 2007، 40 ألف طالبة فُصلن من الجامعات بسبب ارتدائهنّ حجاباً إسلامياً. أضف أنّ أئمة الجوامع عانوا في تلك الحقبة. أصلاً هم موظّفون معيَّنون من السلطات العامة، ويتقاضون رواتبهم منها ويلقون خطبهم المكتوبة في معظم الأحيان من جانب ممثليها، ويخضعون للتحقيقات فور خروجهم عن التعليمات، مكتوبة كانت أم شفهية. ويروي الأستاذ محمد نور الدين كيف أنّ إمام مسجد محمد الفاتح، أشهر مساجد اسطنبول، اعتاد على إلقاء خطبة الجمعة مكتوبة من جانب السلطات، وتمحورت أحياناً حول مشاكل البيئة، وهو ما حوّله إلى أشبه بـ«آلة تسجيل» أمام مرأى رجال الاستخبارات وآلات تسجيلهم الضرورية لمحاسبة الإمام إذا ارتجل شيئاً في خطبته.