نيويورك ـ نزار عبود

كانت أفغانستان السبب في انهيار الحكومة الهولندية السبت الماضي، فهل هذه إشارة إلى بداية تفسّخ في منظّمة حلف شمالي الأطلسي؟ هذا ما حذّر منه مستشار الأمن القومي السابق، زبيغنيو بريجنسكي، قائلاً «ليس هناك ما هو أسوأ بالنسبة إلى الأطلسي من أن يترك قسم من التحالف (أوروبا الغربية) القسم الآخر (الولايات المتحدة) وحدها في أفغانستان. فخلاف من هذا النوع مرتبط بأول حملة للأطلسي تستند على الفصل الخامس من ميثاقه قد يسبّب نهاية التحالف».
خروج هولندا المتأخر من أفغانستان، كما بات مرجحاً على نطاق واسع، ورغم ضآلة عدد القوات الهولندية المشاركة في الحرب (2000 فقط)، سيفتح الباب على مصراعيه أمام تصاعد الضغط الشعبي في مختلف الدول الأوروبية الغربية، وفي المقدمة بريطانيا وفرنسا. والرأي السائد في هذه البلدان أن حرب أفغانستان خاسرة، وأن أفغانستان لا تمثّل خطراً مباشراً على أمن تلك الدول، فضلاً عن الخسائر البشرية والمادية الفادحة في زمن الشحّ الاقتصادي.
الهولنديون لم يخسروا في هذه الحرب سوى 21 جندياً. لكنهم منزعجون من رفض الألمان المشاركة في هجوم «مشترك» في منطقة مارجه (جنوب). وكان يفترض أن تنتهي خدمتهم في أفغانستان قبل عامين، لكن جرى تمديد الفترة لعامين إضافيين. ومن المستبعد أن تقبل الحكومة الجديدة التمديد لعامين إضافيين.
وإذا كان الرأي العام الأميركي لا يزال مغرّباً عن غايات الصراع في أفغانستان، فإن الأمر يختلف كثيراً في المدن الأوروبية، إذ ينظر إليها كخدمة للشركات المتعددة الجنسية، أكثر منها من أجل الأمن القومي.
وحاول الرئيس الأميركي باراك أوباما شحذ 10 آلاف جندي إضافي من أوروبا الغربية، وتمكّن بعد خلافات حادة من الحصول على 5 آلاف، وجرى التلاعب بالأرقام بألفين كانوا فعلياً ما يزالون في أفغانستان ومددوا حضورهم فيها، وكانوا من الهولنديين، وكانت الغاية المحافظة على ظهور تماسك التحالف.
ومن المنتظر أن يعقد الحلف لقاءً هذا الأسبوع من أجل زيادة عدد القوات مجدداً. وإذا فشل فستكون مسألة في غاية الإحراج قد تترك آثاراً بعيدة المدى على التحالف.
النصر في الحرب الأفغانية يبدو بعيد المنال، لذا فإن القلق الأكبر سيبقى شديداً على مستقبل باكستان التي تفضّل ربما «طالبان» الإسلامية في كابول على قيام دولة علمانية تكون على وئام مع جارتها اللدود، الهند. كما أنه ليس من مصلحة الصين الجيوسياسية إحكام الولايات المتحدة والدول الأطلسية المتحالفة معها السيطرة على أفغانستان وباكستان القريبتين من حدودها. وإذا كانت موارد الصين من الطاقة الضرورية تمر عبر هذه التضاريس الجغرافية، فإنها تحرص على أن يحسب لنفوذها كل حساب في أي معادلة دولية مستجدة.