منذ سقوط «الرايخ الثالث»، تتعاطى ألمانيا مع موضوع العسكرة بحذر وحساسية بالغين. سياسة حاولت من خلالها حصر مهماتها الخارجية، التي بدأت في البوسنة والهرسك وانتهت بالمشاركة في قوة بحرية دولية لمراقبة السواحل اللبنانية، بالجانب اللوجستي والإنمائي لا الحربي. إلا أن لعنة أفغانستان لاحقت كبار الرؤوس في الحكومة والمؤسسة العسكرية


معمر عطوي
لم تكن استقالة رئيس أركان الجيش الألماني (المفتش العام) فولفغانغ شنايدرهان من مهماته في 26 تشرين الثاني الماضي، إلى جانب وزير الدولة لشؤون الدفاع بيتر فيتشرت، ومن بعده وزير العمل الذي كان وزيراً للدفاع في الحكومة السابقة فرانز يوزف يونغ، سوى تعبير واضح عن مدى الجدل الحامي الذي يدور في أروقة السياسة الألمانية، حول جدوى المشاركة في قوة حفظ السلام في أفغانستان، ضمن قوة «إيساف» التابعة لحلف شمالي الأطلسي. جدل تصاعد إلى حد الخلاف على طبيعة المهمّة التي يُفترض أنها إنسانية، لكنها تحوّلت إلى عمليات «شبه حربية».
لعلّ المنعطف الأقوى في احتدام هذا الجدل هو تورط القيادة الألمانية العاملة في أفغانستان، في إصدار الأمر بشن غارة جوية، نفذتها مقاتلة أميركية من طراز «أف ـ 15»، في 4 أيلول الماضي، في ولاية قندز (شمال)، حيث تسيطر القوات الألمانية. خطوة عُدّت أكبر عملية دموية يشارك فيها جنود ألمان منذ الحرب العالمية الثانية، إذ قتل فيها 69 من مقاتلي حركة «طالبان» و30 مدنياً، حسبما أعلنت الحكومة الأفغانية.
اللافت في الموضوع أن هذه التطورات تفجّرت قبيل الانتخابات التشريعية التي أجريت في 27 أيلول، وحصل فيها الاتحاد المسيحي الديموقراطي (المحافظون) بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل، إلى جانب الحزب الديموقراطي الحر (الليبراليون)، على غالبية أهّلتهما لتأليف حكومة ائتلافية، تولّى فيها زعيم الليبراليين، غيدو فيستر فيله، وزارة الخارجية.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الحزب الليبرالي كان دائماً من المطالبين بوقف مهمّات الجيش الألماني في الخارج، وتسريع سحب الجنود الألمان من أفغانستان وشواطئ لبنان والقرن الإفريقي. لذلك لعب هذه الورقة بامتياز، رغم تساهله في إجراءات التطبيق التي تجعل سحب القوات يتم على مراحل.
لكن المفارقة أن سياسة الحكومة الألمانية السابقة كانت تعتزم إبقاء قواتها في أفغانستان بعد غزو هذه البلاد في عام 2001، لمدة أربع سنوات فقط، تقوم خلالها بمهمات دعم لوجستي لتأهيل الجيش والشرطة، ومساعدة الحكومة على تنفيذ برامج تنموية وإنسانية. بيد أن برلين، بعد سنوات قليلة، توصلت إلى اقتناع بزيادة عديد قواتها هناك لمواجهة تصاعد هجمات مقاتلي حركة «طالبان»، تماهياً مع طلبات متواصلة من واشنطن وحلف الأطلسي بتعزيز هذه المشاركة.
سياسة كشف عنها وزير الدفاع كارل تيودور تسو غوتنبيرغ، بإعلانه نية الحكومة إرسال كتيبة مظلّيين، مؤلفة من 120 جندياً إلى أفغانستان خلال الأيام المقبلة، لتساند القوة الموجودة هناك والتي يبلغ عديدها نحو 4200 عنصر ألماني، يتمركزون في ولاية قندز، شمال البلاد.

تصاعدت حدّة الخلاف على طبيعة المهمّة التي يُفترض أنها إنسانية، بينما تحوّلت إلى «شبه حربية»
وربما شعرت حكومة أنجيلا ميركل، التي تصارع من أجل تنفيذ جدول عملها الأميركي، الذي يواجه معارضة الاشتراكيين والخضر واليسار وحلفائها الليبراليين، أن تعزيز قوة بلادها في أفغانستان بات أمراً ملحاً، حيث تقع هذه البلاد على حدود قوّتين نوويّتين (باكستان والهند) وأخرى صاعدة (إيران)، فيما تشكّل ممراً حيوياً إلى بحر قزوين حيث الذهب الأسود؛ هنا لا يمكن فصل طموحات برلين عن قريناتها الغربية بالحصول على حصتها من ثروات هذا البحر التي لا تُحصى.
لعلّ التحدّي الأكبر الذي واجهته ألمانيا في أفغانستان، هو تعرّض مروحية وزير الدفاع الألماني غوتنبرغ ورئيس الأركان شنايدرهان، لإطلاق نار إثر مغادرتهما أفغانستان نحو أوزبكستان في 13 تشرين الثاني الماضي، ضمن 3 مروحيات من طراز «سي أتش ـ 53».
لكن في المقابل، كان الجدل الذي وضع برلين في دائرة الاتهام، قد تعزز مع اعتراف وزير الدفاع، في 26 تشرين الثاني الماضي، أمام البرلمان «البوندستاغ»، بحجب الجيش الألماني معلومات مهمة حول غارة الرابع من أيلول الدموية، علماً بأن مسؤولية هذه العملية تقع على عاتق وزير العمل المستقيل، وزير الدفاع السابق، فرانس يوزيف يونغ.
وباتت المسألة الأفغانية بعد هذه التطورات موضوعاً حساساً على طاولة النقاشات داخل مبنى المستشارية في برلين، وفي أروقة القيادة العسكرية. جدل كانت نتيجته تبنّي المستشارة لمقولة وزير الدفاع عن «خوض القوات الألمانية أوضاعاً شبيهة بالحرب» في أفغانستان، فيما يصرّ وزير الخارجية، غيدو فيستر فيله، على أن مهمة القوات الألمانية هناك تقوم بناءً على دوافع إنسانية ولمصلحتها الخاصة.
مع ذلك، أصبح فيله، الذي كان يطالب من قبل بسحب القوات من أفغانستان، مؤيداً تمديد مهمتها. وهو على اقتناع بأن وضع «نهاية هوجاء» لهذه المهمة سيكون أمراً «غير مسؤول» وسيؤدي إلى توتر الأوضاع في «منطقة متفجرة». ويعترف الوزير الليبرالي بأن من شروط الانسحاب من هذا البلد المضطرب، تعزيز الديموقراطية ومكافحة الفساد، الذي يتحمّل مسؤوليته الرئيس حميد قرضاي. وأصبح من المسلّم به لدى الوزير الشاب أن انسحاب القوات الألمانية لن يتم قبل عام 2013.
لذلك كانت مسألة تمديد المهمات الخارجية للقوات الألمانية في أفغانستان، أحد أهم قرارات «البوندستاغ»، الذي وافق على تمديد لمدة عام، تنتهي في منتصف كانون الأول من عام 2010.
المحافظون لا يريدون الذهاب بعيداً في ممالأتهم لواشنطن
وتبدو برلين، التي طالما رفضت مطالب واشنطن وقيادة حلف شمالي الأطلسي بإرسال قوات إلى جنوب أفغانستان حيث تدور معارك طاحنة مع قوات طالبان، أرادت أن تأكل العنب من دون قتل الناطور. لذلك كان رفضها دائماً المشاركة في العمليات الحربية في الجنوب، نابعاً من سياستها التي لا يمكن أن تتجاوز خطوطاً حمراء رسمها لها المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. لعل أهم هذه الخطوط عدم إعطاء برلين دوراً عسكرياً مماثلاً لشريكاتها الكولونيالية في واشنطن ولندن وباريس. معادلة كان المستشار السابق الاشتراكي، غيرهارد شرودر، من أشد المحافظين على عدم تغيير خطوطها، حين رفض بشدة مساندة أو مشاركة القوات الأميركية ـــــ البريطانية بغزو العراق.
من هنا، كان لقاء ميركل الأخير مع الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي، أنديرس فوغ راسموسين، في برلين بحضور فيستر فيله، غير حاسم لجهة الموافقة على طلب الأطلسي زيادة المساهمة الألمانية من ضمن قوة أوروبية في أفغانستان.
ولطالما سعت واشنطن إلى إغراء برلين للتورط أكثر في المستنقع الأفغاني. ولا سيما أن أول تصريحات السفير الأميركي الجديد لدى ألمانيا، فيليب مورفي، كانت بمثابة غزل، تضمن إشادات بمشاركة ألمانيا العسكرية في أفغانستان.
غير أن المحافظين، الذين لا يريدون الذهاب بعيداً في ممالأتهم لحليفهم الأميركي، يحاولون تجنب صدام مباشر مع حليفهم في الائتلاف الحاكم (الليبرالي)، وفي الوقت نفسه امتصاص غضب المعارضة المستاءة من طلبات واشنطن لبرلين بزيادة عدد القوات في أفغانستان والتدخّل أكثر في العمليات الحربية، ولا سيما أن هذه المعارضة تتمتع بدعم شعبي يصب في دعم سياستها. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الألمان يعارضون مشاركة قواتهم في أفغانستان.
في أي حال، استطاعت المستشارة إقناع حلفائها بالتمديد للقوات في أفغانستان لمدة سنة إضافية، فيما لا تزال تعوّل على مؤتمر دولي، سيعقد حول أفغانستان في لندن، في 28 كانون الثاني المقبل. ويبدو أن بعض المسؤولين الألمان يريدون إبقاء الكرة في ملعب أميركا والحكومة الأفغانية. موقف عبّر عنه بصراحة وزير الدفاع، غوتنبرغ، حين قال إن أي زيادة في عدد القوات ستتوقف جزئياً على استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة للحرب، وعلى «التزام واضح» من الرئيس حميد قرضاي، بمكافحة الفساد وتولي السيطرة على الأمن في البلاد.
يبقى السؤال الأهم هنا عن الدور الألماني المقبل في أفغانستان، وما إذا كان سيسير أكثر باتجاه العسكرة، في ظل ضغوط داخلية كبيرة على الحكومة الائتلافية، لن يكون أصعبها استقالة رئيس أركان ووزير لشؤون الدفاع ووزير دفاع سابق. فهذا البلد الأوروبي، الخارج من إرث دموي كبير نتيجة الحروب التي سبّبها قادته النازيون في الحرب العالمية الثانية، لا يزال يرفض الانخراط في لعبة الأمم، على حساب دماء جديدة، حتى لو كانت ستؤدي إلى تحقيق مصالح ربما يسعى إليها بوسائل أكثر نعومة.
لعل هذا ما دفع وزير الخارجية إلى القول: «لا نرغب في أن تكون أفغانستان مهمة تدوم إلى الأبد. نريد المضيّ قدماً بخطة للأمن الذاتي».


فرانز يوزف يونغ

كان المحافظ فرانز يوزف يونغ (الصورة) (60 عاماً) يتولى مسؤولية وزارة الدفاع في الحكومة السابقة (اشتراكيون ومحافظون)، حين نُفذت الغارة الأميركية على شاحنتين سيطر عليهما مقاتلو «طالبان» في 4 أيلول الماضي في ولاية قندز الأفغانية الشمالية. تولى وزارة العمل في الحكومة الائتلافية الحالية بعد انتخابات 27 أيلول، لكنه سرعان ما استقال من مهمته تحت ضغط أحزاب المعارضة، التي اتهمته بإخفاء معلومات في ما يتعلق بالغارة، التي أعطت القيادة الألمانية الأمر بتنفيذها، وسقط فيها مدنيون. درس يونغ القانون في جامعة ماينز، ثم دخل الحياة السياسية من خلال توليه العديد من المهمات داخل الاتحاد المسيحي الديموقراطي. استقال نائب رئيس الاتحاد المسيحي الديموقراطي من منصبه في وزارة العمل، في 27 تشرين الثاني الماضي، لتخلفه الطبيبة وزيرة العائلات أورسولا فون دير ليين.