جمانة فرحات

انعكست نتائج التصويت على استفتاء حظر المآذن في سويسرا صدمة في صفوف السلطة والسكان المسلمين، لا المجتمع بالتأكيد، الذي كان واضحاً في خياره النهائي وانقلب على كل نتائج استطلاعات الرأي السابقة، ليؤيّد بنسبة 58 في المئة مبادرة حزب اليمين الشعبوي.
لا بد من التوقف عند عدد من النقاط بشأن خلفيات هذا التحوّل في استطلاعات الرأي، التي سبقت الاستفتاء بـ24 ساعة، وخصوصاً أن النسبة المرتفعة في الإقبال على الاستفتاء لم تكن متوقعة، إذ بلغت 53 في المئة، وهي أفضل نتيجة سجلتها عمليات التصويت على المستوى الفدرالي في عام 2009.
وتعكس هذه النتائج نقطين أساسيتين، أولاهما تعمّد تقليل الحكومة الفدرالية السويسرية لقدرات اليمين المتطرف في إيصال رسائله إلى المجتمع السويسري. كذلك، فإن الاطمئنان الكبير الذي أبدته الحكومة إزاء رفض المبادرة يبدو أنه ترجم ردّ فعل عكسياً على الناخبين. فقد أظهر آخر استطلاع بشأن بناء المآذن، عشية الاستفتاء، رفضاً للمبادرة بنسبة 53 في المئة، في مقابل 37 في المئة من المؤيّدين و10 في المئة من المترددين، كذلك سبقه استفتاء آخر بيّن أن 51.3 في المئة من السكان يتجهون لرفض المبادرة، في مقابل 35 في المئة يؤيّدونها و13.7 لم يحددوا خياراتهم.
بناءً على ذلك، حتى لو صوّت جميع المتردّدين للمبادرة، كان من المفترض ألا يكونوا قادرين على قلب النتيجة لولا أن نسبة من الذين رفضوها عادوا لتغيير آرائهم وترجموا هواجسهم من الإسلام في صناديق الاقتراع.
وبالتالي، فإن محاولة بعض الجمعيات الإسلامية التشكيك في نتائج الاستطلاعات التي سبقت الاستفتاء وفي مدى صحتها غير دقيقة، ولكنّ الأدق هو مدى قدرة استطلاعات الرأي على طرح أسئلة مرافقة بشأن تقويم خلفيات مواقف المستفتين ودقتها.
كذلك فإن محاولة الجمعيات إلقاء اللوم على «الحملة المشوّهة» للحزب اليميني من خلال تقديم الإسلام بمفاهيم مغلوطة ليست مقنعة إلى حدٍ بعيد، إذ إن نتائج الاستفتاء تظهر بوضوح عجز مسؤولي الجالية الإسلامية في سويسرا عن إقناع مكوّنات المجتمع السويسري بصورة مغايرة لشعارات اليمين عن الإسلام والمسلمين. وهو ما يطرح في طبيعة الحال علامات استفهام عن قدرة هذه المنظمات على قراءة التحوّلات في المجتمع الذي تعيش فيه تجاه نظرته إلى الإسلام وفعاليتها في التعامل معها.
أما عن الخيارات المطروحة الآن لمحاولة منع دخول نتائج الاستفتاء حيّز التطبيق إذا أراد مسلمو سويسرا ذلك، ولم يقرروا احترام إرادة الناخب السويسري، فستكون وجهتهم الأساسية باتجاه المحكمة الأوروبية (لحقوق الإنسان)، ولكن بلا آمال كبيرة، ولا سيما أن المحكمة سبق أن رفضت استئنافاً تقدمت به طالبة تركية، بعدما طردت من جامعتها لأنها كانت ترتدي الحجاب.