لم تيأس باريس بعد من أداء دور في الشرق الأوسط، رغم الإخفاقات التي تعتري السياسة الخارجيّة لنيكولا ساركوزي. آخر المحاولات مؤتمر دولي لوضع أسس عمليات التفاوض


باريس ــ بسّام الطيارة
تتحرك الدبلوماسية الفرنسية في نهاية العام بحسب أجندتين في ما يتعلق بملف الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي؛ أولاً، رغبة الرئيس نيكولا ساركوزي في أن «يبقى في اللعبة الشرق أوسطية». وثانياً، تحرك وزير الخارجية برنار كوشنير على أساس أنه «يمكن ألّا يعود إلى الكي دورسيه» بعد الانتخابات المناطقية المقبلة، وبالتالي رغبته في ترك «بصماته» على ركائز تحرّك فرنسا في هذه المنطقة.
ويأسف البعض لأن «سياسة فرنسا العربية» ضاعت بين الأجندتين، وهي رغم كل ما قيل كانت «تحتفظ بحد أدنى من الاحترام» من جانب تل أبيب، وبتقدير من جانب الدول العربية، وإحساس فلسطيني بأن باريس «داعمة لطموحاتهم الوطنية»، فيما واقع الأمر بعد سنتين ونيّف من الحكم الساركوزي يفيد أن «الاحترام الإسرائيلي تبخّر»، من دون أن يعني هذا كسباً لدى الشارع العربي، لا بل على العكس.
كوشنير جدّد أمس تأكيده، في مؤتمر صحافي «استثنائي»، أن الدول العربية والفلسطينيين لم يوافقوا بعد على حضور مؤتمر دولي من أجل السلام في باريس، بينما الإسرائيليون وافقوا على ذلك، واضعاً «اللوم على العرب»، الذين حسب قوله «يريدون أن تتوافر الشروط، ويتمسكون بتجميد الاستيطان».
وفيما لمّح الوزير إلى أن باريس اقترحت مؤتمراً للمفاوضات «ليس منافساً لمؤتمر موسكو» ولكن بالاتفاق مع الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف لوضع «قاعدة الالتزام دولي جديد»، فإن مصادر سرّبت خبراً تفصيلياً عن «مؤتمر دولي بداية هذا العام» يعمل ساركوزي على تأمين نجاحه، يدوم «يوماً واحداً» يشارك فيه إلى جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كلّ من الرئيس المصري حسني مبارك، وملك الأردن عبد الله الثاني، وقادة اللجنة الرباعية. وأكدت هذه المصادر أن «إمكان عقد المؤتمر في باريس كبيرة».
وعلمت «الأخبار» من مصادر مطلعة أن مهمة هذا المؤتمر وضع «أسس التفاوض لا أكثر ولا أقل»، إلّا أنها «تستفيض في عرض المعوقات»، ولا سيما مسألة تجميد الاستيطان، التي عدّتها فخّاً من الرئيس الأميركي باراك أوباما أطبق على المفاوضات.
ولم يتردد كوشنير قبل يومين في وضع اللوم على الإدارة الأميركية في «انقطاع التواصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين»، وإظهار «حسرة على أيام الرئيس (الأميركي السابق جورج) بوش»، مشيراً إلى أن مخاطبة الأخير كانت «أسهل من مخاطبة الرئيس الحالي» أوباما.
وتبني المصادر على هذا التحليل رغبة فرنسا في إطلاق مؤتمر «يعيد تحديد مسار للمفاوضات»، بعدما وجد «أوباما نفسه محشوراً». وعلمت «الأخبار» أنه من المتوقع أن يُعلَن عن المؤتمر قبل نهاية هذا العام، وربما في خطاب التهنئة التقليدي بعيد رأس السنة لساركوزي، على أن يلتئم ما بين نهاية كانون الثاني وبداية شباط.
وفي مؤتمره الصحافي أمس، كرّر كوشنير استعداد باريس لأداء دور إيجابي بين سوريا وإسرائيل، إلّا أن ما لفت الانتباه هو وضعه سلاح حزب الله على بساط هذه المفاوضات المتوقفة بقوله «إن تركيا لا تمثّل أي صعوبة بالنسبة إلى الإسرائيليين». واستطرد «بل هو حزب الله، مسألة صواريخه هي مسألة خطيرة».
ورداً على سؤال عن سبب ربط سلاح حزب الله بالمفاوضات المتوقفة بين البلدين، تساءل كوشنير من دون تردد «هل حزب الله عامل سلام؟». وأضاف «توجد صواريخ على الحدود ترسلها دولة أخرى»، مستخلصاً أنه «بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المفاوضات مع سوريا يجب أن تأخذ بالاعتبار كل ما يعيق، وكل العوامل»، قبل أن يضيف «ومنها سلاح حزب الله».
ويصف دبلوماسي عربي الدبلوماسية الفرنسية اليوم بأنها «خطوات في وجهات متناقضة يمكن أن تقود نحو انفساخ مؤلم». ويشير آخرون إلى أن ساركوزي يبدّد اليوم كل الكسب المعنوي الذي حصل عليه من جرّاء «سياسة القطيعة الموفّقة»، التي قام بها في مطلع عهده، لأنه يحاول «وضع نفسه في مواجهة الجميع»؛ العرب بحجة صداقته مع إسرائيل، وواشنطن بحجة فشل أوباما، وإسرائيل بحجة أنه صديق يحادثها لغة العقل، وأوروبا بحجة أنه يشرك مصر في رئاسة الاتحاد المتوسّطي، من دون الحديث عن تركيا التي يلبسها رداءً لا تريده، وسوريا التي يعطيها بيد ويأخذ منها بيد أخرى.