عندما تتآمر عوامل الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ والاستراتيجيا لصياغة مستقبل «اندماجي»


أرنست خوري
في نيسان 2008، وفي إحدى زياراته لدمشق، خاطب رئيس الحكومة التركية، رجب طيب أردوغان، المسؤولين السوريين بالقول: «كل ما ينقصكم هو إرادة القوة. وحينها فقط، ستصبحون قادرين على استخراج الحليب حتى من ذكر الماعز. ننوي وضع أيدينا بأيديكم في هذا الهدف».
كُثر لم يفهموا مغزى هذا الكلام، إلا أنّ فترة الانتظار لم تطل. فبعد أيام، كُشف النقاب عن وساطة تجريها تركيا بين إسرائيل وسوريا. وبعد أشهر، سارت الأمور بسرعة بين الدولتين، حتى وصلت إلى فتح الحدود الثنائية في «استعراض دبلوماسي» في 13 تشرين الأول الماضي على ضفّتي غازي عنتاب التركية وحلب السورية. ضفتان سبق أن شهدتا تحرّك الجيشين لخوض حرب لم تندلع في اللحظات الأخيرة.
تغيّر كل شيء منذ 2002 مع مفارقة لافتة: عندما كان النظامان أرثوذكسيين في علمانيتهما، وصلا مراراً إلى حافة الحرب. أما عندما تولى حكم أنقرة، إسلاميّون، ازدهر تبادل المنّ والسلوى بين الدولتين.

وجدت سوريا بتركيا «أميركا المنطقة» وسلّمتها «رقبتها» في الوساطة مع الإسرائيليين
ويُجمع عدد من المحللين على أنه لا سرّ ولا وصفة لهذا التطور إلا كلمة واحدة: «الثقة». مصطلح يمكن صرفه في لعبة الأمم والسياسة والمنافع، عندما تكون هذه الثقة قائمة على مصالح متبادلة من النوع الذي لا تؤثّر فيها متغيرات الزمن؛ فالجغرافيا والاقتصاد والتاريخ والاستراتيجيا والمستقبل تحوّلت إلى معطيات ثابتة بالنسبة إلى حكام دمشق وأنقرة.
ويحلو للبعض اعتبار أنّ الانعطافة الكبرى حصلت في حزيران 2000، عندما شارك الرئيس أحمد نجدت سيزر في جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد في عاصمة الأمويين. إلا أنّ ثمة اقتناعاً يسود اليوم بأن الزيارة لم تكن سوى ردّ الجميل للراحل الذي رحّل عبد الله أوجلان عن الأراضي السورية. سبع سنوات كانت كافية لتحقيق ما يلزم إنجازه عقوداً من الزمن بين بلدين آخرين. السبب واضح: مهندس الدبلوماسية التركية، أحمد داوود أوغلو، مؤمن بأن الشرق الأوسط بوابة العالم، وأن سوريا بوابة أزمات الشرق الأوسط (العراق، فلسطين ولبنان إضافة إلى الأزمة الكردية)، وبالتالي فإنها بوابة تركيا إلى الشرق الأوسط. كلام كتبه الرجل في باكورة أعماله المرجعية «العمق الاستراتيجي والمكانة الدولية لتركيا».
وينقل عنه مراسل «الجزيرة» في أنقرة، يوسف الشريف، قوله إن «على هذه الحقيقة الجغرافية البسيطة أن تكشف للغرب بوضوح أهمية سوريا الاستراتيجية في حلّ خلافات المنطقة»، مستغرباً «عدم انتباه بعض الدول الغربية إلى هذه الحقيقة».
ولمّا كان الهدف الأول لـ«تركيا الجديدة»، تثبيت استقرار المنطقة المحيطة بها ليصبح الوضع ملائماً لتركيا لأن تؤدي دوراً كاملاً بوصفها لاعباً إقليمياً ذا مشروعية عالمية في نظام دولي جديد، اقتنع عبد الله غول ورجب طيب أردوغان بـ«نظرية» ملهمهما، فسارعا إلى فكّ العزلة عن سوريا، معاندين إصرار إمبراطورية أميركا ـــــ جورج بوش على عزل نظام الرئيس بشار الأسد. مثال جديد على استقلالية القرار التركي عن كل شيء، إلا عن المصالح الوطنية.
هنا أيضاً لدى داوود أوغلو ما يبرره: «إنّ عزل سوريا وحصارها غير ممكن، لأنّ فيه عزلاً لتركيا تجاه مجالها الحيوي الشرق الأوسطي، بما أن الحدود التركية ـــــ السورية هي الأطول جغرافياً (900 كيلومتر)».
داوود أوغلو: سوريا بوابة تركيا على العالم العربي وعزلها يعني عزلنا عن محيطنا
وقبل أن تجرؤ أنقرة على الخروج عن الطاعة الأميركية إزاء سوريا، أعرب أردوغان، في 29 كانون الأول 2005 عن الاستعداد التام للتوسط في الأزمة بين واشنطن ودمشق. وساطة لم ترَ النور بما أن إدارة بوش كانت عازمة على «إنهاء» سوريا، فما كان من أنقرة إلا فتح أبواب دمشق على العالم فردياً. حتى إن الرئيس سيزر، المعادي بشراسة لسياسات حكومات «العدالة والتنمية»، اضطر لمجاراة التوجه الجديد على قاعدة التضامن الوزاري، فزار دمشق بعيد أيام من صدور القرار الدولي 1559، وانتقده علناً، مقدماً لسوريا نافذة دولية استثنائية. أما في الاقتصاد فالأسباب أيضاً كافية بالنسبة إلى تركيا لتكون علاقاتها أكثر من ممتازة مع جارتها.
في المقابل، وجد ساسة دمشق، بتركيا، النافذة التي أعادت الهواء إلى رئتي بلدهم. وبالنسبة إلى سوريا، باتت تركيا «أميركا المنطقة» منذ قرّرت إغلاق أراضيها وأجوائها أمام الغزو الأميركي للعراق. من هنا، جاء ردّ الجميل من السوريين، بحجم الجميل نفسه. لا كلام بعد اليوم عن «اللواء السليب». تلميحات سورية بإمكان مدّ خطوط تعاون مع جمهورية قبرص الشمالية. المنتجات التركية لها أولوية في الأسواق السورية. المسلسلات التركية المدبلجة تغزو الشاشات. وجهة السياح السوريين تركية أولاً. ممنوع الحديث حتى عن جرائم جمال باشا في المسلسلات الوثائقية، بحسب المؤرخ السوري والمحاضر في عدد من الجامعات السورية والمحلل السياسي سامي مبيض. تفادي استخدام مصطلح «الإبادة الأرمنية». حوافز تشجيعية للطلاب السوريين الراغبين بالتعلم في الجامعات التركية الحكومية.
ولأن الثقة كانت كلمة السر في العلاقات بين هذين البلدين، قال الأسد، عندما باتت الوساطة التركية بين دمشق وتل أبيب علنية في عام 2008: «نحن واثقون من النيات التركية». كلام علّق عليه بعض النقاد باعتبار أنّ الأسد «سلّم رقبته للأتراك».


الأمن وغياب العدوّ المشترك: إبطال مفعول القنبلة العراقيّة

انتظر كتّاب مراكز الأبحاث السورية، المقربون من حكومتهم، بدء «شهر العسل» بين دولتهم وتركيا، ليبوحوا بأحد أسرار الدبلوماسية السورية. كتب رئيس «المعهد الشرقي للدراسات الدولية» المدعوم من وزارة الإعلام، سمير التقي: «عندما يفكر السوريون بتهديد، يلجأون إلى إيران. أما عندما يفكرون بالفرص، فينظرون إلى تركيا». كلام يفسّر أموراً كثيرة، لكنه لا يشرح سبب بقاء الملف الأمني، «الحلقة الأضعف» في حلقات الفيلم التركي السوري الطويل الذي بدأ في 2002، ويبدو أن خاتمته لن تكون قريبة.
يرى البعض أن غياب الاتفاقيات الأمنية الكبيرة والمناورات بين جيشي البلدين (رغم توقيع عدد من الاتفاقات الأمنية في 13 من الشهر الماضي والكشف عن نيتهما إجراء مناورات في الربيع المقبل)، مبرّر تماماً. فالملف الكردي علاجه أصبح في عهدة مبادرة «الانفتاح الديموقراطي». أما العداء الإسرائيلي ـــــ السوري، فالعمل جارٍ (وإن انقطع منذ عدوان «الرصاص المصهور») من خلال جهود تركية. وقد يكون السبب أيضاً هو تحسّن علاقات تركيا مع كل دول جوارها، لا بل مع كل العالم. ورغم ذلك، لا يزال الهمّ الأمني بين دمشق وأنقرة يعبَّر عنه بمصطلح «التعاون في مجال الإرهاب»، إذ سلّمت دمشق 77 من مقاتلي «العمال الكردستاني» منذ 2003 إلى السلطات التركية.
ويمكن اعتبار السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا نموذجاً لوعي حكام أنقرة لأهمية الخارج في استقرار الداخل التركي. من هنا، فإنّ الثقة التركية ـــــ السورية أساسية في المساهمة بإنجاح الخطة التركية إزاء القضية الكردية، من ناحية أنّ بين مقاتلي «الكردستاني» أكثر من 1500 سوري. وتريد أنقرة من سوريا أن تكون شريكاً في الحلّ، بما أنه، في حال صُدور عفْو عام (احتمال مرجَّح)، لن يعود هؤلاء إلى تركيا، بل إلى سوريا.
وفي شقّ قريب من الأمن، قد تكون الأزمة العراقية ـــــ السورية التي نشبت إثر تفجيرات «الأربعاء الدامي»، أسوأ نبأ وصل إلى مسامع الأتراك منذ فترة طويلة، إذ إنّها تتعلق بجارَين مركزيّين، وهي تعرّض مساعي أنقرة لإنشاء تحالف رباعي لخطر يطال حتى مصالحها الاقتصادية والنفطية من ناحية خطط نقل النفط والغاز العراقيين عبر تركيا وسوريا. والوساطة التركية بين سوريا والعراق ليست مفاجئة، نظراً إلى إفصاح حكام أنقرة مراراً، عن نياتهم لجمع العراق وسوريا وإيران وتركيا في سلسلة اتفاقات لتأسيس «مجالس تعاون» لإعادة بناء الشرق الأوسط على قواعد أمنية واقتصادية وسياسية وتكاملية ومصلحية، وللإشراف على استقرار المنطقة.