طهران | «عماد» صاروخ بالستي جديد، لم يعلن عن مداه لأسباب تأتي في إطار سياسة التحدي الإيراني لإخفاء القدرات العسكريّة للترسانة الصاروخية في الجمهورية الإسلامية. تجربة ناجحة أعلن عنها وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان العارف بتفاصيل هذا التطور النوعي الذي أدخل الصواريخ البالستية البعيدة المدى في تقنية التوجيه عن بعد لإحراز إصابة دقيقة في الأهداف المحددة.


الصاروخ الجديد كان غنياً بالإيحاءات، رسالة عسكرية وزعت على أكثر من صندوق بريد في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات عسكرية حاسمة. البداية مع اسم الصاروخ، «عماد»، اسم يعيد الى الذاكرة اسم القيادي الجهادي الكبير الشهيد عماد مغنية. القيادة الإيرانية لم تصرح علناً أنها سمّت الصاروخ باسم الرجل الذي هز أركان الكيان الإسرائيلي، إلا أن مجرد النظر الى علاقة الرجل الوثيقة برفاق السلاح في إيران ينبئ بتسمية الصاروخ تيمّناً بالشهيد مغنية، لما لهذا الأمر من دلالات وخاصة على صعيد معادلة الردع مع العدو الإسرائيلي.
ثانياً، يأتي الكشف عن هذا الصاروخ في خضم معركة وجودية حاسمة لمحور الممانعة بوجه الإرهابيين التكفيريين وداعميهم انطلاقاً من سوريا؛ فالإعلان عن أن الصاروخ موجه ويعمل بتقنيات تصحيح المسار. إشارة لا تحتاج إلى الكثير من التفسير، فربما طهران تحاول إبلاغ الجميع أنها أصبحت تملك كما روسيا قدرات بالستية قادرة على ضرب أهداف خارج الحدود وبدقة عالية، ما قد يمهد لضرب أهداف لتنظيم داعش في سوريا، وربما لاحقاً في العراق انطلاقاً من قواعد نيران داخل الأراضي الإيرانية.


الإعلان عن الصاروخ لم يكن عبر الحرس الثوري إنما عبر وزير الدفاع


النقطة الثالثة هي عدم الكشف عن مدى الصاروخ وهو أمر غير اعتيادي ربما يحدث للمرة الأولى في التجارب الصاروخية. إلا أن النظر الى منصة الصاروخ وأجنحته وطريقة إطلاقه وسرعة تحليقه وطوله، إضافة إلى الصور الهوائية التي تظهر انفصال أجزاء من الصاروخ يشير الى أنه يعمل على مرحلتين أو أكثر، ما يعني أن مداه يصل الى إلفي كلم وربما أكثر، وذلك استناداً إلى مقارنته بصواريخ من طراز «قدر» و»سجيل» و»شهاب 3». الرسالة الرابعة أرادتها طهران اليوم بالذات في تشييع جثمان أحد كبار قادتها العسكريين ممن سقطوا في سوريا وفي نفس اليوم الذي أقر فيه البرلمان الخطوط العامة للاتفاق النووي؛ تصريحات وزير الدفاع الإيراني كانت واضحة وصريحة بأن «لا أحد يمكنه أن يمنع إيران من تطوير قدراتها الصاروخية وطهران لا تحتاج إلى استشارة أحد لاستكمال منظومتها الدفاعية». الإعلان عن الصاروخ لم يكن عبر الحرس الثوري الإسلامي الذي عادة ما يقوم بتجارب ومناورات صاروخية، إنما أتى عبر وزير الدفاع، ما يعني أن الحكومة الإيرانية صادقت على المشروع الذي تم تصميمه وإنتاجه وتجربته في مراكز التصنيع والتسليح التابعة لوزارة الدفاع تحت إشراف الحكومة. كانت رسالة إلى الداخل والخارج بأن القدرات الصاروخية خط أحمر لا يجب أن يخشى الداخل من توقفها بعد الاتفاق النووي، ولا يمكن للخارج أن يوقفها بفعل الاتفاق النووي أيضاً.
«عماد» صاروخ سيدخل إيران الى مرحلة الهجوم الدفاعي بمواصفاته الجديدة، رافعاً سقف التحدي وملوّحاً بالتدخل العسكري الإيراني خارج الحدود؛ فهذه التجربة لا يمكن فصلها عن تدحرج الأحداث في المنطقة أخيراً وارتفاع لهجة العسكر في إيران، وخاصة بعد حادثة منى في مكة المكرمة والتي أودت بحياة مئات الحجاج، بينهم إيرانيون. كان كلام المرشد الأعلى آية الله السيد على خامنئي شديداً في التعاطي مع هذه الحادثة، والعسكر أعلن استعداده لتنفيذ الأوامر بالرد على أي تهديد أو خطأ ضد إيران. من هنا، يأتي عدم الكشف عن مدى الصاروخ ربما كرسالة مبطّنة للجار السعودي الذي تأزمت العلاقات معه انطلاقاً من العراق ما بعد الغزو الأميركي، مروراً بحرب لبنان الثانية 2006 والأزمتين السورية واليمنية، وصولاً الى حادثة الحجاج في منى. من هنا، لا يمكن فصل التجربة الصاروخية التي تم اختيار توقيتها بمنتهى الحرفية عما يجري في المنطقة التي تعيش فائضاً من القوة بحاجة إلى كثير من ضبط النفس لتجنيب الإقليم حرباً، في حال اشتعالها ستتطاير فيها الصواريخ وتذر نيرانها الرماد في عيون الجميع.