عاشت تركيا في اليومين الماضيين أجواءً مشابهة لتلك التي اختبرتها بعد الهجوم الدامي في بلدة سرّوج الحدودية في تموز الماضي، الذي فتح صفحة جديدة للجمهورية التركية على المستويين الداخلي والخارجي. فالانفجار المزدوج الذي استهدف تجمعاً شعبياً معارضاً في العاصمة أنقرة وأدى إلى مقتل نحو مئة شخصٍ، جاء في لحظةٍ تركية ودولية استثنائية، ما يفتح الباب أمام جملة من التحدّيات قد تواجهها الدولة التركية في المرحلة المقبلة.


ووقع الهجوم الانتحاري الذي وُصف بكونه «الأكثر دمويةً في تاريخ تركيا» في وقتٍ تجد فيه أنقرة نفسها في عين تحوّلات إقليمية كبرى مرتبطة بملفّي الأزمة السورية و«محاربة الإرهاب»، بالتزامن مع ترقّب الاتراك الانتخابات التشريعية المبكرة واستمرار حرب أنقرة المستجدّة على حزب «العمال الكردستاني».
وحوالى الساعة العاشرة من صباح أول من أمس، هز انفجاران متتاليان محيط محطة القطارات الرئيسية في أنقرة، حيث جاء آلاف الناشطين من أنحاء البلاد بدعوة من مختلف النقابات ومنظمات غير حكومية وأحزاب اليسار للتنديد بالنزاع بين الحكومة التركية وعناصر «الكردستاني»، ما أدى إلى مقتل 95 شخصاً وجرح أكثر من 246، في حصيلة غير نهائية.
ومن الواضح أن «الحماسة» التي أبداها المسؤولون الأتراك بعد هجوم سرّوج على الحدود التركية السورية، في المسارعة إلى اتهام تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، خفتت هذه المرّة، حيث تجنّب الرئيس رجب طيب أردوغان توجيه أصابع الاتهام إلى جهةٍ معيّنة، مكتفياً بالقول إن الهدف من الهجوم هو «الإيقاع بين أجزاء المجتمع المختلفة، لذلك على الجميع أن يتصرف بمسؤولية وحذر»، داعياً «الجميع إلى الوقوف في وجه الإرهاب وليس إلى جانبه». كذلك ندد «بهجوم مشين ضد وحدتنا والسلام في بلادنا»، متوعداً «بأقوى رد». أما رئيس الحكومة المؤقتة أحمد داوود أوغلو فقد افترض أن ثلاث منظمات «يمكن أن تكون نفذت الهجوم»، وهي حزب «العمال الكردستاني» وتنظيم «داعش» و«الجبهة الثورية لتحرير الشعب اليسارية».


أوقف «العمال الكردستاني» عملياته قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات التشريعية

وكان لافتاً تلقّف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحدث التركي لدعوة أنقرة إلى «محاربة الإرهاب معاً». وعلّق بوتين يوم أمس على الهجمات، واصفاً إياها بـ«العمل الإرهابي الهادف إلى زعزعة الاستقرار في بلد صديق لروسيا». وفي مقابلة مع قناة «روسيا ـ 24»، دعا بوتين إلى جمع الجهود الدولية لمحاربة «شر الإرهاب» قائلاً: «ما حصل في تركيا هو بالطبع هجوم إرهابي وقح وجريمة إرهابية تسببت في سقوط كثير من الضحايا، ولا شك في أنها محاولة لزعزعة الاستقرار في تركيا المجاورة والصديقة لنا، لا سيما أنها وقعت خلال الحملة الانتخابية فيها». وقال إن الهجوم عمل استفزازي ظاهر، مضيفاً: «لكننا سنكون فعّالين في مواجهتنا لهذا الشر فقط إذا حاربناه معاً».
أما الولايات المتحدة، حليفة تركيا، فقد ندّدت بما وصفته «اعتداءً إرهابياً مروعاً» في العاصمة التركية. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، نيد برايس، في بيان، «الحقيقة أن هذا الهجوم الذي وقع قبل تجمع حاشد للسلام يؤكد الانحطاط الاخلاقي لأولئك الذين يقفون وراءه، وهو بمثابة تذكير جديد بضرورة مواجهة التحديات الأمنية المشتركة في المنطقة». واتصل الرئيس الاميركي باراك أوباما بأردوغان معبّراً له عن التضامن مع تركيا في مواجهة الإرهاب.
على المستوى الداخلي، سبق الهجوم الدموي الانتخابات التشريعية المبكرة بثلاثة أسابيع. وكانت الحكومة التركية قد قررت الذهاب الى هذا الخيار بعد فشل تشكيل حكومة ائتلافية، عقب خسارة حزب «العدالة والتنمية» الغالبية البرلمانية المطلقة بعد انتخابات السابع من حزيران الماضي. وشكك الرأي العام التركي طوال الاشهر الماضية في النيات الحقيقية خلف الاحداث التي شهدتها البلاد، حيث تسلسلت الاحداث بصورة مترابطة للوصول إلى إعلان الانتخابات المبكرة التي يطمح عبرها أردوغان إلى استعادة الغالبية النيابية، ثم تعديل نظام الحكم في البلاد وصولاً إلى تعزيز صلاحيات الرئاسة. فبعد هجوم سرّوج الذي أودى بحياة 30 شخصاً من الناشطين اليساريين والأكراد، سارعت أنقرة إلى اتهام «داعش» وإعلان الحرب على التنظيم وعلى حزب «العمال الكردستاني»، في استعادة عقود صراع دموي بين أنقرة والأكراد، فيما وصفه البعض بمحاولة أخيرة لأردوغان لحشد القوميين الأتراك حوله وحول حزبه لاستعادة الغالبية التي قضمها منه حزب «الشعوب الديموقراطي» بعد دخوله للمرة الاولى الى البرلمان.
وكان «الكردستاني» قد أعلن أول من أمس تعليق عملياته قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات التشريعية. وقال الحزب في بيان إنه «استجابة للنداءات التي أتت من تركيا والخارج، فإن حركتنا أعلنت وقف نشاط مجموعاتنا المقاتلة لفترة، إلا إذا تعرض مقاتلونا وقواتنا لهجمات». وجاء في الإعلان الذي نشر على موقع الهيئة الالكتروني: «خلال هذه الفترة لن تنفذ قواتنا عملياتها المقررة، ولن تقوم بأي نشاط باستثناء الانشطة التي ترمي الى حماية مواقعها الحالية، ولن تتخذ أي خطوة تمنع تنظيم انتخابات نزيهة».
وقد قتل أكثر من 150 شرطياً وجندياً منذ ذلك الحين في هجمات نسبت الى حزب العمال الكردستاني، في حين تؤكد السلطات التركية «تصفية» أكثر من ألفي عنصر من الحزب الكردي.
إلا أن الحكومة التركية واصلت عملياتها العسكرية ضد مواقع الحزب، حيث نقلت وكالة «الأناضول»، أمس، أن 49 مقاتلاً من حزب «العمال الكردستاني» قتلوا في غارات شنها سلاح الجو التركي على مواقع المنظمة في منطقتي متينا وزاب شمالي العراق، الى جانب قضاء ليجه في ولاية ديار بكر، جنوبي تركيا.
وأوقفت فرق «مكافحة الإرهاب» التركية، يوم أمس، 21 شخصاً، يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش»، خلال عمليات أمنية ضد التنظيم، في ولايتي شانلي أورفة وإزمير.
وشهدت إسطنبول مساء السبت تظاهرات ضمت عشرة آلاف شخص يحمّلون الحكومة التركية مسؤولية الاعتداء المزدوج، فيما خرجت تظاهرات مماثلة بعد الظهر، وخصوصاً في ديار بكر، حيث اندلعت حوادث بين المتظاهرين والشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول)