المجالس المحلية في قبضة «روسيا الموحّدة»


ربى أبو عمو
«هيّا روسيا»، عبارة قالها الرئيس ديمتري مدفيديف في مقالة صحافيّة. رسم بلاداً تسير نحو الديموقراطية الغربية. هو الذي حاول، مذ جاء، إسقاط خياره الليبرالي على الناس. وعدهم فرحّبوا وأملوا. روسيا أيضاً كان لها كلمتها. يوم الأحد الماضي، كانت أمام مواجهة مع الذات. الديموقراطية التي أطلقها مدفيديف، أم سنوات إضافية من سيطرة الحزب الواحد. إنها الانتخابات المحلية. لكن صرخة الرئيس لم تثقب نتائج الانتخابات، وهي تأكيد اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم. أي لا مفاجآت.
إلا أنه في مقابل هذه اللّامفاجآت، كانت روسيا تستعيد ترسيخ قوميتها. عاد مواطنوها إلى التجمع في حلقة دائرية، للنظر إلى «بقايا العالم» من خلال الثقب القديم، ثقب الاتحاد السوفياتي.
لا شك أن نتائج الانتخابات المحلية أفسحت مجالاً واسعاً للنقاش. وتساءل المحلّلون السياسيون عن سبب تزايد شعبية حزب «روسيا الموحدة»، مقارنةً بنتائج الانتخابات السابقة التي جرت قبل أربع سنوات.
كان متوقعاً فوز الحزب الحاكم، لكن ليس إلى درجة «الاكتساح» في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألقت بثقلها على موسكو. أعلن عضو اللجنة الانتخابية المركزية ليونيد إيفليف أن «الحزب حصل على نحو 80 في المئة من عدد المقاعد في انتخابات المجالس المحلية التشريعية». يليه الحزب الشيوعي الذي حصل على نحو 14 في المئة. ثم حزب «روسيا العادلة» والحزب الليبرالي الديموقراطي. وفي انتخابات رؤساء البلديات، حقق «روسيا الموحدة» أيضاً فوزاً كبيراً بنسبة سبعة وسبعين في المئة من المقاعد، يليه حزب «روسيا العادلة» بسبعة في المئة، والحزب الشيوعي بأربعة في المئة.
جرى الاقتراع في 76 منطقة، بينها جمهوريتا الشيشان وأنغوشيا اللتان شهدتا أول انتخابات بلدية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقاً للقانون الجديد (حيث ستجري هذه الانتخابات كل 5 سنوات بدلاً من 4). لم تصاحب هذه الانتخابات ضجة إعلامية. كل شيء كان متوقعاً، حتى رفض المعارضة الروسية النتائج، وحديثها عن الفساد وشراء الأصوات، وسيرها في تظاهرات احتجاج.
بعض المحللين الروس عزوا أسباب الاكتساح إلى طبيعة الناخب الروسي، وكيفية عمل السلطة. وقال رئيس مركز التكنولوجيات السياسية إيغر بونين، لصحيفة «فريميا نوفوستيه»، إن «المقترعين التقليدين يكوّنون النسبة الكبرى من المشاركين في الانتخابات المحلية. هذا الناخب يفضّل أن يصوّت لمصلحة الشيوعيين أو السلطة التي بمقدورها تقديم خدمة ما، كبناء مدرسة أو إصلاح روضةٍ للأطفال».
أما المحلّل ديمتري أوريشكين، فرأى أن الأزمة الاقتصادية «لم تلقِ بظلالها على نتائج هذه الانتخابات لأن السلطة استخدمت فيها عناصر الإدارة»، موضحاً أن «هذه العناصر تشدّد من تكاتفها لإدراكها أن الأزمة تهدد سلطتها. كما أنها أدّت الدور المهيمن في العملية الانتخابية، وبالتالي فإن هذه الانتخابات لا تعكس إرادة الشعب».
من جهته، لفت المحلّل السياسي ديمتري أورلوف إلى اتجاهٍ عام يتميز «بالتفاف المحتجين حول الحزب الشيوعي». ويعزو ذلك إلى «ملل معارضي السلطة من تأييد الأحزاب الصغيرة التي تخسر الانتخابات كل مرة وعلى كل المستويات».
هذه التحليلات تعكس بصورة عامة وضعية المجتمع الروسي، أفكار الناخبين، طموحاتهم، الأمر الذي يشير إلى تغاضي الناخب الروسي عما عجزت السلطة عن توفيره للشعب في كل ما يتعلّق بالحياة المعيشيّة.
على سبيل المثال، رمى الناخب الروسي جانباً التهمَ التي تلاحق رئيس بلدية موسكو يوري يوري لوسخوف. فقد أعلن المعارض بوريس نمستوف (أحد مؤسسي روسيا الموحدة) أنه سيقاضي لوسخوف وزوجته يلينا باتوريا (أغنى امرأة في أوروبا الشرقية)، لربطه نجاح شركتها العقارية «انتيكو» بزوجها. وكان المعارض قد أصدر تقريراً بعنوان «لوسخوف والاستنتاجات» في 8 أيلول الماضي، انتقد فيه رئيس البلدية لفشله في التعامل مع الجريمة والفساد والتلوّث في موسكو. وركّز الجزء الأكبر من التقرير على العلاقة بين نجاح باتوريا في «انتيكو» ودور زوجها.
وها هو لوسخوف يتابع عمله رئيساً للبلدية، ويقترح تنفيذ تجربة تشتيت الغيوم المحمّلة بالثلوج قبل وصولها مشارفَ العاصمة، إذ إنها ستوفّر عليها تكاليف إزالة ما يتراكم من ثلوجٍ في الشوارع.
فشل مدفيديف في كسر احتكار الحزب الواحد. لم يضمن سير العملية الانتخابية بنزاهة مئة في المئة. إلا أن بوتين نجح في استقطاب شعب أعاد ترتيب أولوياته. فانضوى الفقر ربما، والفساد، وغيرهما، خلف عودة الإمبراطورية الروسية. روسيا التي وصلت إلى الحضيض في خلال فترة التسعينيات التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى أن أتى بوتين، فانتعشت وبدأت حجز مكانها الخاص على الساحة الدولية، وقفت في وجه السيطرة الأميركية الأحادية على العالم. وأخيراً، كان للحرب مع جورجيا أثرها الكبير في تحديد توجّه المواطن الروسي، الذي شعر بأنه بات أكبر من الخطر الذي يتربّص به من كل اتجاه.
بوتين أعاد القوة إلى بلاده، وأصرّ على توحيد شعبه انطلاقاً من التركيز على القومية الروسية، وتفعيل دور الكنيسة الأرثوذوكسية. فكانت نتائج الانتخابات، التي كرّسته وحزبه قطباً أُحاديّاً في روسيا، ربما لسنوات طويلة.