أديس أبابا | يعطي الدستور الإثيوبي الحق لأتباع مختلف الاديان والطوائف والقوميات بنشر تعاليمهم وثقافتهم في أنحاء البلاد كافة؛ وتُعتبر الحكومة الإثيوبية علمانية، تتبع قاعدة «لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين»، ما سهّل انتشار كافة المذاهب والأفكار، حتى تلك التي تبدو «دخيلة» على المجتمع الإثيوبي، وتشكّل في كثير من الاحيان عبئاً عليه. وفي هذا السياق، تصاعدت وتيرة الخلافات المذهبية وسط المسلمين خاصة، مع انتشار عدد كبير من المذاهب التي قسّمت هؤلاء بين مؤيد معارض لها.


مذهب «الأحباش»

يتهم بعض الإثيوبيين حكومتهم بدعم انتشار مذهب «الأحباش»، الذي أسسه الشيخ عبد الله الهرري عام 1890م، في مواجهة بعض المذاهب الإسلامية الأخرى، وخاصة الوهابية. ويرى هؤلاء أن وراء انتشار «الأحباش» في إثيوبيا دولاً ومنظمات معينة؛ وقد خرجت عدة مسيرات خلال العام الماضي، احتجاجاً على ما وُصف بتدخل الحكومة في الشؤون الدينية، و«فرض» مذهب «الأحباش» على المجتمع، وبالتالي خلق الانقسامات بين المسلمين في البلاد.

الوهابية هي الأكثر انتشاراً

في المقابل، يرى الكثير من الإثيوبيين أن السبب الأساسي لتصاعد الخلافات الدينية في بلادهم هو انتشار المذهب الوهابي انتشاراً واسعاً، على أيدي متخرجي الجامعات السعودية، كجامعة المدينة المنورة، كما نتيجة الدعم المادي السعودي، وذلك عبر الأعداد الكبيرة من الإثيوبيين (خاصة من جنوب وجنوب شرق البلاد) الذين يهاجرون إلى المملكة العربية السعودية، ليعودوا بأموال تُخصص لبناء المساجد وتمويل الجمعيات، وحتى تمويل الأسر والأفراد مباشرة، ما ساعد على انتشار هذا المذهب بصورة كبيرة، وأدى إلى تاجيج الصراع مع أتباع المذاهب الأخرى، وبعضها مدعوم من قبل الحكومة.


يعمل في
السعودية مليونَي إثيوبي، وهي
أكبر المستثمرين
في البلاد

يرى بعض الإثيوبيين أن المذهب الوهابي ليس خطراً على مجتمعهم، وأنه انتشر في البلاد بفعل إيمان معتنقيه، وأن من حق السعودية أن تعمل على نشر أفكارها ومذهبها الديني، بما لا يتعارض مع القانون الإثيوبي. وترفض غالبية متخرجي الجامعات السعودية، من الذين اعتنقوا الوهابية، القول إن الأخيرة مسؤولة عن انتشار التشدد الديني في إثيوبيا، مشيرين إلى مسؤولية أتباع مذاهب أخرى عن التشدد، كـ«الخوارج» الآتين من السودان.
في المقابل، يرى آخرون أن الظروف التي كان يعيشها الطلاب في السعودية، والتي تتميز بالانغلاق والتزمت، خاصة أن التدريس في المملكة يركز على الدين واللغة فقط، طبعت شخصيتهم، فباتوا «غرباء» عن مجتمعهم الإثيوبي، ما جعلهم يسعون يفرضون أفكارهم بالقوة، مدعومين بمؤسسات أو جمعيات تمولها المملكة. وفي هذا السياق، يشير أصحاب هذه النظرة إلى دور كبير للملحقية الدينية في السفارة السعودية، والتي تعطي المنح والهبات، خاصة في شهر رمضان؛ فضلاً عن دور المستثمرين وحتى السياح السعوديين في نشر الوهابية، عبر استغلال فقر وحاجة الكثير من الإثيوبيين، وربطهم بشبكة مصالح، وعبر الدعاية والترويج، كترجمة كتب إلى اللغة الأمهرية والارومية، تقدم المذهب الوهابي على أنه «مذهب تصحيحي» في الإسلام.

الدين والاستثمارات الأجنبية

فتحت إثيوبيا الباب للاستثمار الأجنبي، لتدخل معه صنوف الأفكار والمذاهب. وبحسب أحدث إحصاءات وكالة الاستثمار الإثيوبية (لعام 2013)، كانت الاستثمارات السعودية الشريك الأساسي للمشاريع في إثيوبيا. ويشكل ذلك، بحسب مراقبين، إلى جانب كثافة هجرة العمالة الإثيوبية إلى السعودية (أكثر من مليونَي إثيوبي يعملون في السعودية، بشكل شرعي أو غير شرعي)، العامل الأساس وراء انتشار الوهابية في البلاد.
وإن كانت إثيوبيا تفاخر بكونها «أرضاً خصبة لجميع الثقافات والأديان والمذاهب»، وبحماية دستورها للحريات الدينية والثقافية، غير أن المجتمع الإثيوبي والحكومة الإثيوبية يرفضان أن يطغى دين أو مذهب على آخر، أو أن يحاول فرض تعاليمه على الآخرين. وبدت الخلافات الدينية، في الآونة الاخيرة، ظاهرة غريبة عن المجتمع الإثيوبي، عزاها البعض إلى ظهور مذاهب جديدة في البلاد، التي لا يؤمن معتنقوها بحرية الفكر، بل بفرض تعاليمهم بالقوة، أو عبر استغلال الحاجة، والأمران سيان.