عصر جديد» بدأ في القمّة الأخيرة التي عقدتها مجموعة العشرين (G20). طابعه الأساسي هو تحوّل هذه المجموعة لتصبح المرجع العالمي لصياغة السياسات الاقتصاديّة. ولكن هل هذا كلّ المطلوب فعلاً؟


حسن شقراني
لا يستطيع المرء، إن كان من اليمين أو اليسار، ليبرالياً أو محافظاً، أن يطرح شكوكاً كثيرةً حول عبارة الرئيس الأميركي: «أعدنا الاقتصاد العالمي من حافّة الهاوية». فكلّ ما كانت تطلبه الأسواق الماليّة من باراك أوباما وزملائه في العالم الصناعي لكي تهدأ وتعدّل اختلالها هو «التزام» بعدم السماح بانهيار شامل. الالتزام كان حتمياً حتّى إن كان ترك إفلاس «Lehman Brothers» قضيّة مثيرة للجدل يصاغ في شأنها شتّى أنواع السيناريوات (وبينها سعي الإدارة الأميركيّة في الخريف الماضي إلى نشر بذار الأزمة، فعلياً، حول العالم لكي تخفّ الوطأة محلياً ويُسيطر على جماح أسواق السلع).
الرئيس الديموقراطي، الذي كان ضيفاً في قمّة مجموعة العشرين في إيطاليا في الربيع الماضي، استقبل الزعماء في بيتسبيرغ الأميركيّة في نهاية الأسبوع الماضي في قمّة هي الثالثة من نوعها منذ اندلاع الأزمة الماليّة في خريف 2008، وهدفها الأساسي تقويم الإنجازات المحقّقة ووضع خريطة طريق للمراحل المقبلة، يمكن تسميتها «إطاراً تنظيمياً مرحلياً للعولمة القائمة».

تحوّل تاريخي

أبرز النتائج التي توصّل إليها زعماء أكبر 20 اقتصاداً في العالم كانت الاتفاق على أن تتحوّل مجموعتهم رسمياً إلى وريثة لمجموعة الدول الثماني الكبرى (G8) التي حُصر في يدها نفوذ اتخاذ القرارات الاقتصاديّة الدوليّة الحاسمة بيد البلدان الصناعيّة منذ نشأتها في فرنسا عام 1975. فضغوط البلدان النامية للحصول على صوت أعلى في المجتمع الدولي، إضافة إلى فشل البلدان الصناعيّة على إدارة العولمة بالشكل المناسب، سببان أساسيان دفعا إلى اعتماد تركيبة جديدة عبارة عن تحوّل تاريخي، للأسف محفّزه كان أزمة ماليّة تحوّلت إلى اقتصاديّة، كان الغرب وأسواقه الماليّة المعقّدة المسؤول عنها بالدرجة الأولى. غير أنّ ثمنها تقاسمه سكّان الأرض بجميع أطيافهم.
وتكرّس الدور الجديد للمجموعة الكبيرة نسبياً بعدما أثبتت نجاحها في مواجهة العاصفة الاقتصاديّة. وفي بيانهم الختامي بعد القمّة قال الزعماء: «نجحنا. استجابتنا القويّة ساعدت على إيقاف التراجع الخطير والحاد في النشاط الاقتصادي العالمي وفي الأسواق الماليّة».
فمنذ بداية العام الجاري، تحوّلت توقّعات توجّه الاقتصاد العالمي من «الهاوية» إلى «الاستقرار النسبي»، وتحدّث رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كان أخيراً عن «اشتعال محرّك النموّ»، وهي إشارة عن نجاح خطط التحفيز التي اعتمدتها «G20».
والنجاح يترافق طبعاً مع ثمن يدفعه النظام القائم وهو عبارة


التحدّيات المناخيّة والتجارة الدوليّة لا تزال تنتظر اتفاقاً تاريخياً
عن إعادة توزيع للنفوذ بمستوى منخفض. فالبلدان الناشئة خرجت من القمّة رابحة بهامش كبير وخصوصاً أنّ الصين والهند كسبتا نفوذاً أكبر في عالم تقول الولايات المتّحدة إنّ الضغوط عليه تزداد من جرّاء فقدان التوازن على صعيد الإنتاج والاستهلاك.
فقد أقرّ المجتمعون بزيادة حقوق البلدان النامية في التصويت في صندوق النقد الدولي بنسبة 5% على الأقلّ، فيما بلغت نسبة رفع تأثير التصويت في البنك الدولي 3%.
وعلّق رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ على التحوّل الحاصل بالقول إنّ مجموعة الثماني كانت «غير مجهّزة» للإشراف على النظام الاقتصادي العالمي، فيما شدّد نظيره الصيني، هو جينتاو، على ضرورة اتخاذ «البلدان الصناعيّة والنامية إجراءات أكثر فعاليّة والقيام بجهد لدعم الاستهلاك والطلب المحلّي».

تحدّيات للجميع

والتحوّل تحقّق على صعيد آخر متعلّق بالخلافات التي أظهرتها الأزمة بين الولايات المتّحدة وأوروبا. وشدّد الرئيس نيكولا ساركوزي على أنّه «لم يعد هناك عالم أنكلوساكسوني وعالم أوروبي».
وقد يكون هذا التصالح الأوروبي ـــــ الأميركي وبين العالمين الصناعي والناشئ بارزاً في القمّة التي اتسمت بكثير من خطابات تمجيد الإنجازات، ولكن تصالح العولمة مع ذاتها ومع فقرائها عمليّة لا تزال «هناك شكوك حول العصر الجديد» الذي طرحته القمّة وفقاً للعديد من المراقبين. فرغم تحقيق تقدّم على مستوى ملفّات كثيرة تبقى قضايا أساسيّة لا تزال التساؤلات تدور حولها حيث تحتاج إلى تنازلات كبرى أكبر من التحوّل الذي تحقّق في القمّة الأخيرة.
فمواجهة التحدّيات المناخيّة وظاهرة الاحتباس الحراري لا تزال تنتظر اتفاقاً تاريخياً بين المعنيّين. ومن المنتظر أن تستضيف العاصمة الدانماركيّة في كانون الأوّل المقبل قمّة مناخيّة يؤمل أن يرخي التطوّر الذي تحقّق في بيتسبيرغ بظلاله عليها.
قضيّة أخرى لا تزال خلافيّة بين الدول الكبرى هي مسألة التجارة الدوليّة، حيث تبقى الأمور عالقة في شأن اتفاق الدوحة. وينتظر العالم تنازلات إضافيّة من العالم الصناعي لكي لا تجرف التجارة الحرّة البلدان النامية وفقراءها. ولدى البحث في هذه المسائل العالقة يجب التنبّه دائماً إلى أنّ نادي البلدان الكبرى توسّع ليشمل البلدان الصناعيّة والنامية.


إجراءات النشوةويمكن تفنيد أهمّ الإجراءات الجديدة التي اتفق عليها في القمّة الاميركيّة بالآتي:
■ أوّلاً اتفق المجتمعون على أنّه لا يزال من المبكر جداً التراجع عن خطط التحفيز الاقتصادي والمالي التريليونيّة التي اعتمدوها في لقاءاتهم السابقة. وقالوا في بيانهم الختامي: «سنتجنّب التخلّي المبكر عن التحفيز» ووعدوا بالعدول عن الإجراءات الطارئة «حين يحين الوقت المناسب».
* الاتفاق على التخلّي عن رزم دعم لاستهلاك النفط قيمتها 300 مليار دولار. إجراء أعرب باراك أوباما عن «فخري به» لأنّ من شأن ذلك خفض انبعاث الغازات الدفيئة ومواجهة خطر الاحتباس الحراري وخلق وظائف جديدة والصناعات المستقبليّة من خلال تحفيز قطاع الطاقة المتجدّدة.
■ لم يستطع المجتمعون فرض محدّدات لمكافآت مديري المصارف، غير أنّهم توصّلوا إلى اعتماد «معايير تعويض دوليّة قويّة تهدف إلى إنهاء الممارسات التي تؤدّي إلى رفع مستوى المخاطر». وهذه المعايير تقوم أساساً على دفع جزء كبير من المكافآت على شكل تعويضات مؤجّلة، الأمر الذي «سيضع نهاية لنظام قديم مخجل وغير مقبول» بحسب رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون.