تشن الصين حالياً حملة عنيفة للقضاء على الفساد الإداري والمرتشين في الإدارات الرسمية، الأمر الذي من شأنه أن يرفع من نسبة الاستثمارات الأجنبية، وخصوصاً بعدما أثبتت الدراسات أن الشفافية الإدارية تساهم في اجتذاب رؤوس الأموال


باريس ــ بسّام الطيارة
منذ أن أوصلت رحلة الألف ميل الحزب الشيوعي الصيني إلى الحكم في بكين قبل نحو ٦٠ عاماً، ومحاربة الفساد تتصدر برامج عمله وشعاراته. لا يمر يوم إلا تنشر الصحف أحكاماً صدرت على «مفسدين»، ترافقها صور إعدام المحكومين، وهو الجزاء الذي ينتظر «موظفاً ارتشى أو قبل عمولة أو استغل موقعه»، حسب القوانين التي تستند إلى عادات صينية تعود إلى بدايات الإمبراطورية الصينية المستندة إلى تعاليم كونفوشيوس الذي يدعو إلى «طاعة الحاكم»، ولكنه يدعو أيضاً الحاكم إلى أن يكون «صاحب قيم أخلاقية ومثل عليا يقتدى به».
رغم كل هذا، فإن الجميع يعترف بأن «الفساد منتشر بين الموظفين»، وبنسبة تتجاوز النسب «المعترف بها في المنطقة»، كما يقول أحد الناشطين في جمعية محاربة الفساد «شفاف الدولية»، وخصوصاً بين الموظفين وبشكل أكثر حدة في المناطق النائية البعيدة عن المركز، حيث «ضغط المتمولين ورجال الأعمال المحليين الكبير» لانتزاع صفقات والتزامات من الدوائر الرسمية للاستفادة من الطفرة المالية وجهود الحكومة المركزية لدفع النمو في المناطق البعيدة.
إلا أن ما يبحث عنه رأسماليو الصين الشيوعية، الذين يطلق عليهم لقب «المليارديرية الحمر»، في المدن الكبرى هو إمكان العمل من دون الرضوخ لابتزاز الموظفين وهم يحثون الحكومة على اجتثاث هذه الآفة من الممارسات اليومية في الجسم الإداري للدولة. وقد أدركت الحكومة في السنوات الأخيرة أن الفساد يبعد المستثمرين الأجانب. وأثبتت الدراسات التي قامت بها الدوائر الحكومية أن الدولة تخسر سنوياً ما يزيد على ٧٨ مليار دولار بسبب الفساد على شكل «عمولات تضاف على المناقصات والمستحقات المتوجبة على الخزينة».
وبحسب مصادر مقربة من وزارة المال الفرنسية، تحدثت لـ«الأخبار»، فإنه يجري حالياً التحقيق مع رانغ ريكسين، عضو اللجنة المركزية ومدير المؤسسة الصينية النووية الوطنية العملاقة، التي تدير كل ما يتعلق بالنووي المدني والعسكري، وأن تهم الفساد والكسب غير المشروع وجهت إلى المسؤول السابق، إضافة إلى اختلاسات تبلغ نحو ٢٢٠ مليون دولار. والتحقيق اليوم ينكبّ على دراسة تفاصيل الاتفاق الذي وقّعه ريكسين مع الشركة الفرنسية «أريفا» بقيمة ٨ مليارات يورو إبان زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الصين عام ٢٠٠٧، لتوريد مفاعل نووي. وقد نفت مصادر مقربة من رئيسة «أريفا»، آن لوفيرجون، أن تكون الشركة الفرنسية قد دفعت أي عمولة على هذه الصفقة، رغم اعترافها بـ«الإحراج الذي يسببه هذا التحقيق».
وتعدّ الحملة الأخيرة لمحاربة الفساد من أشد الحملات التي يقوم بها الحزب الشيوعي منذ تسلّمه السلطة، وشملت للمرة الأولى كبار أطر الحزب، وعدداً كبيراً من موظفي الدرجة الأولى. ففي الشهر الماضي نُفِّذَ حكم الإعدام بالمدير العام لشركة إدارة مطار بكين، وكذلك بمدير شركة النفط الوطنية. وقد أعلنت السلطات أنها حاكمت ما يزيد على ٩٠٠٠ موظف في الأشهر الستة الأخيرة بتهم فساد وسرقة أموال عامة. إلا أن عدداً من الناشطين يقولون إن 3 بالمئة يقعون في شباك الحملة، ويردّ البعض السبب إلى غياب الشفافية الإعلامية التي تشكل عادة «سلطة مضادة» تفضح الممارسات غير القانونية.