بيونس آيرس | مع بدء الساعات الأولى لفرز الأصوات ساد الصمت داخل أروقة حزب «العدالة» اليساري الحاكم ومرشحه دانيال سيولي، كانت الأرقام تشير إلى تقدم مرشح المعارضة ماوريسيو ماكري ولو بنسبة ضئيلة. صمت كسرته ساعات الفجر التي أعادت الإعتبار ولو على المستوى المعنوي لسيولي، الذي كان يأمل تحقيق فوز كاسح من الجولة الأولى، فلم تتطابق حساباته مع حساب الصندوق الذي أعطاه الصدارة بفارق مخيف لم يتجاوز الثلاث نقاط، وعليه فقد تصدّر سيولي النتيجة النهائية بعد حصوله على 36،88% من الأصوات فيما حل مرشح المعارضة ماوريسيو ماكري ثانياً بحصوله على 34،33%، نتيجة تلزم المرشحين الإنتقال إلى المواجهة الحاسمة في الثاني والعشرين من تشرين الثاني المقبل.


وعلى الرغم من التوقعات السابقة التي أشارت إلى صعوبة الحسم من الجولة الأولى، مثّلت الأرقام مفاجأة غير سارة للموالاة، التي وجدت نفسها في سباق محموم مع معارضة مثّلت لها تحديا جديا على مستوى المحافظات وخصوصاً بعد خسارة محافظة بوينس أيريس المعقل التاريخي للحزب اليساري، فيما تشير النتيجة إلى معركة قاسية في المواجهة الرئاسية المقبلة التي تحتاج إلى الكثير من مراجعة الحسابات قبل أن تقطف المعارضة لحظة المفاجأة، وتطيح كل مكتسبات الحزب الحاكم الذي يجهد منذ ثلاثة عشر عاماً لرسم الهوية السياسية والإقتصادية للأرجنتين.
أمام ترقب الموالاة واحتفال المعارضة التي أمعنت في الحرب النفسية ضد اليسار الأرجنتيني، علمت «الأخبار» بأن سيولي بدأ منذ منتصف ليل الأحد سلسلة اتصالات لعقد تحالفات تتيح له حسم الجولة الثانية. مصادر الحزب الحاكم أكدت لـ«الأخبار» بأن سيولي سيسعى إلى الحوار مع المرشح الخاسر سيرخيو ماسا، الذي حاز المرتبة الثالثة بعد حصوله على 21،39 % من الأصوات وهي نسبة حاسمة إذا جيّر ماسا هذا التأييد إلى حليفه السابق. مصادر المعارضة قللت من هذا الرهان، مشيرةً إلى أن الناخب الأرجنتيني في تصويته لماكري وباقي المرشحين المستقلين كان يسعى إلى التغيير، وبالتالي فإن المزاج العام لن يلتزم قرارات وتحالفات الخارجين من المنافسة.


بدأ مرشح الحزب الحاكم سلسلة اتصالات لعقد تحالفات تتيح له حسم الجولة الثانية

أمام هذا المشهد، استعرت الحملات الانتخابية قبل إعلانها رسمياً، فمرشح المعارضة ماوريسيو ماكري وفي أول خطاب له بعد صدور النتائج أعلن سعادته وفخره بالشعب الأرجنتيني، مشيراً إلى أن النتيجة هي إشارة التغيير التي يسعى إليها الناس، داعياً كل الذين صوتوا للمرشحين الخاسرين وحتى الذين أيدوا مرشح الموالاة إلى التصويت من أجل «أرجنتين جديدة» بحسب وصفه.
أما سيولي وفي رده الأول على النتيجة الإنتخابية، فقد حذر من فوز الساعين إلى خصخصة موارد الشعب الأرجنتيني وبيع ثراوته. تصعيد ترافق مع استثمار الموالاة لنجاح العملية الإنتخابية التي سارت في أجواء آمنة وسلسة دون تسجيل أي مخالفات تذكر، وهو ما أكده الجهاز الرقابي والقضائي المستقل الذي أشرف على سير العملية الإنتخابية، نجاح سبقه إعلان الرئيسة الأرجنتينية، كريستينا دي كيرشنر بعد إدلائها بصوتها أن الأرجنتين باتت دولة معافاة على المستويين السياسي والإقتصادي.
النتيجة الإنتخابية أطلقت صفارة المعركة الإنتخابية القاسية التي سيحشد إليها الطرفان كل قواهم بعدما آمن الحزب الحاكم بأن الثقة العمياء كادت أن تطيح مشروعه، وأن إستطلاعات الرأي ليست بالضرورة قراءة دقيقة لما يفكر فيه الناس أو بما يتأثرون فيه في اللحظات الأخيرة. أما المعارضة، فقد بدأت تحلم بالفوز بعد الدفع المعنوي المفاجئ، وعليه، ستسعى بكل ما أوتيت من قوة لالتقاط الفرصة التاريخية في إزاحة إرث آل «كريشنر». كباش سياسي وحماوة انتخابية لم تشهدهما الأرجنتين من قبل، حيث أنها تعيش للمرة الأولى منذ انتقالها إلى النظام الديموقراطي مواجهة رئاسية ثانية، وهي ربما إشارة إلى صحة ما قالته الرئيسة كريستسنا كريشنر بأن الأرجنتين باتت بلداً معافىً وجاهزاً لكل الإختبارات السياسية.