الاتفاق على إعادة انتخاب خوسيه مانويل باروزو رئيساً للمفوضيّة الأوروبيّة لم يمرّ دون اعتراضات الدول الصغرى، وكشف عن صراع أكبر على منصب الرئيس


باريس ــ بسّام الطيارة
هل يجدّد لرئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروزو؟ ومتى؟ تساؤل تحمله العواصم الأوروبية، ولكنه يكشف في الوقت نفسه التناقض الذي يعتري هذا المنصب بين قوة تعادل قوة رئيس دولة وتؤثر على مسار سياسات الدول الـ٢٧ التي تؤلف الاتحاد، وضعف بسبب طريقة الاختيار عن طريق «التعيين التوافقي بين العواصم المؤثرة قبل انتخابه من البرلمان الأوروبي».
فقد أجّل نواب البرلمان الأوروبي الـ٧٣٦ عملية «انتخاب» باروزو للمرة الثانية، وتواعدوا على إمكان البحث في الأمر بعد العطلة الصيفية، إذ إنه حسب القوانين الأوروبية المعمول بها، فإن رؤساء الحكومات يختارون مرشحاً، على أن يوافق البرلمان على الاسم.
حتى أمس، كان باروزو المرشح الوحيد لخلافة نفسه، وقد نال مباركة الدول الأعضاء، ولكن بعد تردد من قبل عواصم كبرى، مثل باريس وبرلين ولندن. ولعل هذا التردد يحمل في طيّاته احتمالات تغيّر في عمليّة التجديد لـ«البرتغالي»، كما يسميه النواب اليساريون والخضر المعارضون للتجديد له، بينما لا يملك اليمين المحافظ، الذي يمثّل «عائلته السياسية»، أكثرية الأصوات في المجلس الجديد.
والواقع، فإن باروزو يدفع ثمن تردّده إبان الأزمة المالية وخفوت وهج قرارات المفوضية الأوروبية، التي اضطرت إلى «اللحاق» بقرارات السياسات الوطنية وقرارات الاقتصادات ذات الوزن، وخصوصاً فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وهو ما استثار الدول الصغيرة التي كانت ترى أن «المفوضية» تحمل صوتها وتدافع عنها في غياب نظام فدرالي واضح.


ساركوزي يفكّر في فيون لرئاسة الاتحاد وبريطانيّا ترشّح بلير
وقد كشفت تصريحات النواب الأوروبيين الجدد وجود توجه نحو تحفيز دور البرلمان الأوروبي ليؤدي دور «المراقب الفعلي المباشر» لعمل المفوضية، التي يراها المواطنون الأوروبيون تحت صورة «البيروقراطية المنكفئة في بروكسل»، والبعيدة عن اهتماماتهم المباشرة.
وهنا يكمن الشق الثاني في معادلة التناقض، التي يبدو أن باروزو يمكنه أن يدفع ثمنها، إذ إن القوانين التي تسنّها المفوضية باتت تؤثر في كل شاردة وواردة في حياة مواطني الاتحاد الكبير، من دون أن يتمكن المواطن من «متابعة تراتبيتها وتسلسل الموجبات التي أوصلت إليها»، والتي عليها أن تأخذ في عين الاعتبار مصالح متناقضة ومختلفة لمجتمعات ذات مستويات متفاوتة ومقاييس اقتصادية متضاربة ومتباعدة، وخصوصاً بعدما اتسعت رقعة الاتحاد ليضم دولاً من أوروبا الشرقية ذات اقتصادات ضعيفة جداً، كل ذلك تحت شعار «تنسيق القوانين الوطنية وتوافقها».
ويتهم بعض النواب باروزو بأنه «نام على حرير قرارات حكومات الدول المؤثرة»، على أساس أنه «المرشح المفضل» بسبب «ليونته» التي تتناسب ومصالحها. من هنا يريد بعض النواب، وخصوصاً الخضر، الذين يقودهم «النائب الأحمر» داني كوهن بنديت، أحد أبرز وجوه ثورة أيار ١٩٦٨ في فرنسا، إجراء «فحص شفهي» للمرشح ودراسة برنامجه والاطلاع على موقفه من عدة ملفات وقضايا.
ويقول كوهن بندت إن ما يختبئ وراء الصراع لإيصال باروزو إلى رئاسة المفوضية هو انتخاب «رئيس دائم للاتحاد»، كما ينص عليه الدستور الجديد المعروف بمعاهدة برشلونة، إذ يتخوّف البعض من أن يسهّل انتخاب باروزو وصوله إلى الرئاسة «بشكل أوتوماتيكي».
وكانت تسريبات قد ظهرت قبل الانتخابات تفيد بأن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كان يفكر في رئيس وزرائه فرانسوا فيون ليحتل منصب رئاسة المفوضية، قبل أن تنقشع غيوم التسريبات ليتبيّن أن التفاوض كان يجري بين برلين وباريس ولندن بشأن منصب رئاسة الاتحاد.
وقد كشفت لندن، أمس، رسمياً، أن مرشحها لرئاسة مجلس الاتحاد هو رئيس الوزراء السابق مندوب اللجنة الرباعية في ملف الشرق الأوسط، طوني بلير. إلا أن المراقبين يرون في هذا الإعلان المبكر، وخصوصاً أن الدستور الجديد لم يقر بعد، بالون تجربة لتلمّس ردة فعل «الدول الصغيرة» قبل أن تتكشّف أوراق طموحات كل عاصمة أوروبية لقيادة اتحاد الـ٤٢٥ مليون نسمة.