«سنحترم نتيجة الاقتراع؛ لكن عندما ننظر إلى المجتمعات حول العالم حيث يسود الاستقرار والثقة، لا نرى في الغالب حكومات ائتلافية، بل حكومات يؤلفها حزب واحد»، قال الرئيس التركي والزعيم الفعلي لحزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، عشية ذهاب الأتراك إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد المقبل، لانتخاب برلمان جديد.


وجاء كلام أردوغان، الذي نقلته صحيفة «حرييت» التركية، بعدما لمّح مسؤولون في الحزب الحاكم إلى أنه إذا جاءت نتائج الانتخابات مماثلة لانتخابات حزيران الماضي، أي إذا لم يستعد الحزب الغالبية النيابية التي تمكّنه من تشكيل الحكومة منفرداً، فإنه قد يدفع باتجاه إجراء انتخابات نيابية مرة أخرى. ورغم هذا «التطمين»، واصل أردوغان سياسة الابتزاز، بالترهيب والترغيب، بحق الناخبين الأتراك، فقال في الخطاب نفسه إنه «إذا ما اختارت أمتنا حكومة الحزب الواحد، فذلك سيؤمن الأرضية لاستمرار بيئة الاستقرار والثقة، والتي خبرناها على مدى السنين الـ12 أو الـ13 الماضية»، في إشارة إلى عهد حزبه في الحكم، والذي بدأ عام 2002.


واصل أردوغان سياسة
الابتزاز بالترهيب والترغيب بحق الناخبين الأتراك

ويستهجن معارضو أردوغان حديثه عن «الاستقرار»، محمّلين إياه المسؤولية عن التصعيد العسكري والأمني ضد الأكراد، كما زيادة التوتر والاستقطاب السياسي بشكل حاد، بالتصعيد ضد أحزاب المعارضة كافة، واتهامها بدعم «الإرهاب». وبحسب العدد الصادر اليوم (31 تشرين الأول) من مجلة «ذي إيكونوميست»، فإن تجدد الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، والتفجيرات الانتحارية في الداخل التركي، والهجمات المتكررة على الإعلام غير الموالي، وتهميش المدّعين العامين والقضاة المستقلين، و«التساهل المقلق» مع تنظيم الدولة الإسلامية، هي بمعظمها أمور يلام عليها الرئيس التركي. وتتحدث المجلة نفسها عن «مؤشرات على أن الكثير من الأتراك قد تعبوا بالفعل من سلوكيات رئيسهم القوي، لكن الديكتاتوري والقمعي بشكل متزايد»، داعية الأتراك إلى عدم التصويت للحزب الحاكم.
ومع دنوّ الاستحقاق الانتخابي، تكثر التحليلات والتوقعات للسيناريوات المحتملة بعد الاقتراع يوم غد. يوم الأول من أمس، أعلن رئيس الوزراء التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية، أحمد داوود أوغلو، أن «تركيا لن تحتمل» إعادة الانتخابات في حال لم تتبلور حكومة حزب واحد، وأن الأمر «غير وارد على أجندة (الحزب)». إن صح هذا الكلام، فهو يلغي احتمال إعادة الانتخابات، لتبقى احتمالات عدة أخرى في الحسبان، أبرزها، بحسب الباحث في مؤسسة «كارنيغي»، سنان أولغن، تشكيل حكومة ائتلافية من حزبَي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة. وبالطبع، فإن هذا السيناريو مبني على ترجيح ألا يتمكن «العدالة والتنمية» من استعادة الغالبية النيابية المطلقة، حسبما تتوقع غالبية استطلاعات الرأي، والتي تتحدث عن فوز حزب الشعوب الديمقراطي بـ12% إلى 13% من الأصوات، أي تخطّيه عتبة الـ10% التي تؤهله لدخول البرلمان، للمرة الثانية على التوالي. والمعروف أن دخول الحزب المذكور البرلمان في انتخابات حزيران الماضي كان له الأثر الأكبر في حرمان الحزب الحاكم أكثريته النيابية. ووفق السيناريو الأرجح، بحسب أولغن، فإن سيناريو تشكيل حكومة «الائتلاف الكبير» بين الحزب الحاكم و«الشعب الجمهوري» هو «الطريق الأفضل إلى الأمام بالنسبة إلى تركيا»، ذلك أن من شأن حكومة كهذه أن تخفف من الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد، وأن تسير بعملية «إصلاح ديمقراطي واقتصادي، يدعمها زخم جديد نحو هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي». ويقول أولغن إن لدى قادة كثر من الحزبين الرغبة في إرساء شراكة كهذه، وإن أردوغان، في المقابل، يبدو غير متحمّس لهذه الصيغة، علماً بأنه «يهيمن» على الحزب الحاكم. ويرى أولغن أن «الائتلاف الكبير» قد يتبلور في حال أمكن إقناع أردوغان بأن الدعوة إلى انتخابات أخرى ستلحق الضرر بطموحه السياسي، فضلاً عن مصالح الدولة.
والسيناريو الثاني، الأقل ترجيحاً بحسب أولغن، فهو فوز «العدالة والتنمية» ببضعة مقاعد برلمانية أكثر من تلك التي فاز بها في الانتخابات الماضية، بالاستناد إلى استطلاعات الرأي، ما قد يسمح له بتشكيل حكومة بأغلبية ضئيلة، تكون أضعف من حكومات الحزب الماضية.
أما السيناريو الثالث من حيث الاحتمالية، وفق أولغن، فهو تشكيل «العدالة والتنمية» حكومة ائتلافية مع حزب الحركة القومية، الضعيف التمثيل مقارنة بحزب الشعب الجمهوري، في صيغة ائتلافية هي أقرب لمزاج أردوغان وقاعدة حزبه. ويقول أولغن إن الحزب الحاكم «لديه القليل ليخشاه» من حزب الحركة القومية، وذلك بسبب صغر حجم الأخير، و«التقاطعات الأيديولوجية» بين الحزبين. ويوضح أولغن أن تقاسم السلطة بين الحزبين رهن تساهل «الحركة القومية» في شروطه، وأبرزها إعادة فتح التحقيقات في تهم الفساد مع مقربين من أردوغان وأركان في حكوماته السابقة، وتخلي أردوغان عن طموحه بتوسيع صلاحيات الرئاسة، وإنهاء مفاوضات السلام بين الحكومة والمتمردين الأكراد.
(الأخبار)