تعديلات في قانون إنشائها لإضفاء «ليبراليّة» على عهد الرئيس الجديد


ربى أبو عمو
غيّمت نفحة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف على سماء روسيا الاتحادية الأسبوع الماضي، من خلال مبادرته إلى إدخال تعديلات على النظام المتشدد لإنشاء المنظمات غير الحكومية. وكانت المعادلة التي سبقت التعديل أشبه بحرب أعصاب؛ فأن تُنشئ منظمة غير حكومية في روسيا يعني أن تجلس ساعات أمام نحو مئة ورقة، تقرأها وتُملي فراغاتها، وتتمنى ألا تُخطئ حتى في وضع النقاط والفواصل في محاولة لضمان حصولك على الموافقة، ليبدو أن إعداد مجموع خرائط الأبنية «الحديثة» في موسكو أقل تعقيداً وربما عدداً.
وقد وعد مدفيديف بالنظر في قوانين هذه المنظمات. أمرٌ وضعه بعض الصحافيين الروس في خانة «ليبراليته» التي طفت على سطح حملته الانتخابية للرئاسة باعتراف الغرب، بعدما كان رئيس الوزراء الحالي فلايمير بوتين قد شدد شروط إنشاء المنظمات غير الحكومية.
أول تفاصيل هذا الإصلاح تجلى خلال الأسبوع الماضي. كوّن مدفيديف فريقاً من تسعة أعضاء لوضع هيكلية للإصلاحات، ضم ممثلين عن وزارة العدل ومجلس الدوما، ومجلس الاتحاد والمجتمع المدني، وجرت الموافقة على تسهيل عملية التسجيل والمحاسبة. إلا أن بعض المنظمات وصفت قرارات مدفيديف بـ«الانحدارية»، أي أنها تتجه من أعلى إلى أسفل، وخصوصاً أنه لم يترك لهم سوى مجال ضيق للمناورة. وقال مدير مركز التنمية الديموقراطية وحقوق الإنسان في روسيا، يوري دزيبلادزي، إن «النتائج لم تكن كما كان يأمل، لكن يمكن اعتبارها وسطاً معقولاً في ضوء القيود التي حددها مدفيديف».
وأوضح رئيس مكتب موسكو في مؤسسة بويل (وهي سياسية فكرية تابعة لحزب الخضر في ألمانيا)، بنز سيغرت، أن «التغييرات المقترحة ضعيفة، ولن تجعل الحياة أسهل بكثير بالنسبة للمنظمات غير الحكومية». وأضاف أن «التغيير الإيجابي الوحيد يتجلى في عملية التسجيل. فبموجب الاقتراح، لن يُلغى التسجيل إذا كان غير مكتمل أو غير صحيح، وستُعلّق العملية حتى تسليم وثائق». واستطرد قائلاً إنه «حتى الآن، رُفضت طلبات لخطأ واحد في وضع فاصلة أو ترك الكثير الفراغات بين الكلمات».
أما النائب في مجلس الدوما، سيرغي ماركوف، فقال إن «إعادة النظر في القانون لا صلة لها بإجراء تغيير في السياسة، إذ كان التغيير مقرراً منذ إنشاء القانون في عام 2006.
كل هذه الآراء لا تعكس حقيقة الواقع، ولا توضح ماهية التوجس الروسي من «المنظمات غير الحكومية» التي قد تعد إحدى آليات حرية التعبير. حتى أنها لم تنبش من بين السطور سبب ظهور الليبرالية في هذا التوقيت. ويقول ممثل منظمة غير حكومية إسبانية، بابلو باريرا، إن «السؤال الأساسي يتعلق بتعريف هذه المنظمات، بل ما يمكن أن تكون». بداية، يشرح أن «قوانين إنشاء المنظمات غير الحكومية تختلف من دولة إلى أخرى، إلا أنها تتفق على أنه يمنع عن هذه المنظمات الربح». ويتابع: «تتيح هذه المنظمات الاجتماع والنقاش والمأسسة والحريات وتفعيل النقابات. إلاّ أنه في الأنظمة الاستبدادية، تخشى السلطات لقاءات الناس، اجتماعهم، والتعبير عن آرائهم، وإطلاق شكاويهم في إطار جماعي. يخافون من تنظيم الشكاوى وخلق مجتمع مدني».
ويكرر باريرا حديثه خوف النظام الاستبدادي من المجتمع المدني، وهو يعتبرها النقطة الأبرز في قضية المنظمات الحكومية. أما في ما يتعلق بخوف النظام في روسيا الاتحادية من احتمال الانقلاب عليه، على غرار الثورات الملونة في أوكرانيا وجورجيا التي جرت بدعم أميركي، يوضح أنه «إذا أراد الشعب الروسي تغيير النظام، فهذا حقه في التعبير»، مستطرداً بإعطاء مثل عن إسبانيا: «إذا أراد معظم الشعب الإسباني أن يصبح مسلماً غداً، فلن تمانع الحكومة، وإن كانت لا تفضل حدوث أمر مماثل». وينتقد استخدام تعبير «الغرب»، موضحاً أن هناك انعدام ثقة بين الغرب وروسيا.
من ناحية أخرى، يشير باريرا إلى الخطر الذي تفرض المنظمات غير الحكومية على روسيا، وخصوصاً من الناحية الأمنية، فبعض الجماعات السلفية الموجودة في الشيشان والبوسنة وغيرها على سبيل المثال، تحظى بتمويل بعض المنظمات التي يتحول دورها إلى تجنيد للشباب. إلا أنه يشرح أن السلطات غالباً ما تكون قادرة على مراقبة هذا وضبطه.
ماذا عن الاتحاد الأوروبي الذي يحرص على تمويل هذه المنظمات لقاء مشاريع تنموية في البلدان التي تعمل فيها؟ يقول باريرا إنه «من مصلحة الاتحاد الأوروبي خلق مناخ حر في كل المجتمعات، ليضمن سلامته وسلامة الدول التي يمثلها».
الانقلاب والثورات الملونة وتغيير النهج البوتيني هو ما تخشاه روسيا القوية جداً الآن، كما يقول باريرا، وخصوصاً أنها تستخدم سطوتها في مجالي النفط والغاز، والعائدات المالية الهائلة التي تحصل عليها جراء مواردها، في المجال العسكري وغيرها والسلطة، من دون توزيع عائداته على الشعب.