قررت الولايات المتحدة منذ عقود خوض «الحرب على المخدرات»، وصارت تنظر إلى المخدرات في أميركا اللاتينية كما تنظر إلى «الحرب على الإرهاب» في العالم الإسلامي، باعتبارها المدخل والقياس والهدف. وحجبت عنها أحادية مقاربتها «الغيبية» حقيقة المشهد وحصدت منها واقعاً أسوأ بما لا يقاس من ذاك الذي برر خوضها. الآن دقت ساعة المراجعة


بول الأشقر
كلمة «كوكا» بالإسبانية و«كوك» بالإنكليزية عبارة واحدة تستعمل للتدليل على ثلاثة أشياء مميّزة: الأولى نبتة الكوكا، والثانية مادة الكوكايين، والثالثة مشروب أصبح رمزاً لقوة النموذج الأميركي في كل أنحاء المعمورة. نبتة «الكوكا» موثقة منذ آلاف السنين في حضارة جبال الأندس، حيث تنمو على سفوح الجبال عندما تنحدر نحو المنطقة الأمازونية، أي على ملتقى مناخين. وتعدّ نبتة الكوكا مقدسة لأنها تسمح لـ«الشامان» بأن يلعب دوره المزدوج وسيطاً دينياً وطبياً. لجأ إليها الأوروبيون في بداية القرن السابع عشر لرفع إنتاجية الهنود في ظروف عمل لاإنسانية في مناجم بوتوزي، أكبر مركز إنتاج الفضة في العالم. هنا مفارقة أولى: أي مخدر هذا الذي لا يولد مشاكل نفسية ولا يحول دون قدرة الإنسان على العمل؟ بالعكس، استعمال نبتة الكوكا مرتبط أساساً بالعمل، وبالعمل القاسي تحديداً على علو يتخطى الـ4000 متر حيث يندر الأوكسيجين. إضافة إلى ذلك، تلعب أيضاً نبتة الكوكا دور الرابط الاجتماعي: تخزن النبتة، ولا تمضغ كما يقال خطأً، أسوة بالقات اليمني، ولها وظيفة شبيهة بالقهوة في مجتمعاتنا.
عام 1859، نجح الباحث النمساوي ألبيرت نيمان في عزل التركيبة الكيماوية للنبتة ليبدأ عصر الكوكايين، الذي مثّل سريعاً قاطرة الطب الحديث بسبب دوره في علم البنج. وصار محط اهتمام النخب وإعجابهم كما حصل مع سيغموند فرويد. في أوروبا، روّج لها صيدلي كورسيكي اسمه أنجيلو مارياني، الذي أنتج خمراً فيه قليل من الكوكا ومن الكوكايين، وتتحدث دعايته عن «صفاته المنشطة والمفعلة للحواس». وقد دوّخ «خمر مارياني» البابا ليون الثالث عشر، الذي منحه وساماً.
في الولايات المتحدة، حيث صدّر في سبعينيات القرن التاسع عشر، سرعان ما لاقى مقلدين: أولهم كان صيدلياً من جورجيا الذي ولّف «خمراً فرنسياً من الكوكا». وقد نجح النشاط الأصولي آنذاك في تحربم هذا الخمر حتى سحب الكحول منه. صارت مرارته تجعله مستحيل الشرب، فأضيفت إليه جوزة الكولا الأفريقية واستبدلت الماء بالسودا، فولدت شركة الكوكا كولا.
وبعد انهيار عام 1929، لجأت الشركة إلى شخصية دعائية مطمئنة لرفع المبيعات سمتها «بابا نويل» وألبستها ألوانها مع النجاح الخيالي المعروف، إن للشخصية أو للمشروب. وفي الستينيات، بعد تحريم نبتة الكوكا، سُحبت من المشروب، وسجلت اعتراضات من المستهلكين لتغيّر طعم مشروبهم المفضل.

الحرب على من؟

عام 1961، أقنعت الولايات المتحدة، أول بلد مستهلك للكوكايين، الأمم المتحدة بتجريم نبتة الكوكا ومزارعيها ومستهلكيها، يعني نحو نصف الشعب البوليفي، وتنسب إليها كل مآسي بوليفيا من تخلف اقتصادي إلى وضع صحي متردٍ ومعدل حياة متدن. قرار مجحف بحق الهنود، لأن استصدار الكوكايين يتطلب 41 مادة كيمياوية تصنع جميعها في الغرب، ولم يُمنع إلا النبتة التي كانت تزرع في بوليفيا.
وفي السبعينيات، اتفقت واشنطن مع الحكومة البوليفية على سياسة استئصال نبتة الكوكا مقابل تعويضات واستبدالها بزراعات بديلة فشلت تباعاً، إما بسبب المناخ أو لصعوبة تسويقها. والأنكى أن الكثير ممن لم يفعل ذلك من قبل صار يزرع الكوكا فقط لقبض التعويض.
وبعدما يكتشف الرئيس رونالد ريغان أن الكوكايين تغلغلت، على شكل الكراك، إلى ضواحي مدن الولايات المتحدة، شن عليها ما سماه «الحرب الشاملة»: في الداخل تشديد العقاب على حساب التطبيب وارتفاع جنوني لعدد السجناء. وفي الخارج عسكرة المواجهة على حساب التعويض، وقد أدت النجاحات النسبية في بوليفيا والبيرو إلى نقل الزراعة إلى كولومبيا، حيث لس هناك تقريباً استهلاك تقليدي لنبتة الكوكا.
باختصار شديد، ساهمت الحرب على المخدرات في تحويل إيفو موراليس، زعيم مزارعي الكوكا، إلى قائد وطني ثم إلى أول هندي يصل إلى رئاسة الجمهورية في بوليفيا، البلد الأميركي الجنوبي الوحيد حيث الهنود أكثرية مطلقة.
وفي بيرو التسعينيات، قضى الرئيس ألبرتو فوجيموري على تنظيم «الدرب المضيء» بالتحالف مع مزارعي الكوكا. وبعد مرور عقدين، عاد وانبعث هذا التشكيل بالتحالف مع المزارعين أنفسهم لا بمعاداتهم كما حصل من قبل.

كولومبيا واقع مختلف

على رأس «كارتيل ميديين»، بنى بابلو إسكوبار بالترهيب والترغيب إمبراطورية مالية في الثمانينيات من خلال شراء الكوكا، التي لا تزرعها كولومبيا، وهي منتج كبير للماريغوانا، وتحويلها إلى كوكايين وتصديرها إلى الولايات المتحدة. الكوكايين «كنز أبيض» تقدر أرباحه بأكثر من 50 مليار دولار سنوياً. نجحت «سي أي إي» مع الجيش الكولومبي وبمساعدة «كارتيل كالي» المنافس في اغتيال إسكوبار في أواسط التسعينيات. بذلك، تراجع دور الشخص الاستعراضي، إلا أن دور المافيات تزايد كما دل انتخاب الرئيس سامبير بدعم من «كارتيل كالي» في السنوات التالية.
أيضاً في التسعينيات، أدت مشاركة مافيات المخدرات في تأسيس ميليشيات «البراميليتاريس» لمحاربة الفارك، وتحت إشراف الجيش، إلى ترسيخ وجود الكوكايين في كل المؤسسات السياسية والقضائية والعسكرية. هكذا دخلت المافيات في الحرب القذرة والمجموعات اليسارية في التجارة القذرة.
في نهاية التسعينيات، أقرّت «خطة كولومبيا»، آنذاك ثانية أكبر مساعدة عسكرية أميركية بعد إسرائيل، لمحاربة زراعة المخدرات بقصف منهجي للحقول بالمبيدات المسممة. بعد عقد، دل تقويم مجرد أن الخطة نجحت في تحديث الجيش الكولومبي، وقد استعاد المبادرة إزاء الفارك، ولكنها فشلت في استئصال الكوكا: بقيت المساحة المزروعة كما هي، وكذلك إنتاج الكوكايين. ما تغيّر أن الزراعة توزعت على عشرين ولاية بدلاً من أربع قبل الخطة، فيما تقلص متوسط حجم الحقل.
بعد أربعة عقود، دلت الحصيلة الواقعية للحرب على الكوكايين أن المشهد النهائي لم يتغير جذرياً حتى عندما تبدلت مكوناته: بالرغم من إنفاق أكثر من 40 مليار دولار، صُنّع نحو ألف طن كوكايين سنوياً، وبقيت زراعة النبتة محصورة في ثلاث دول: أرقام عام 2007 تدل على أن 60 في المئة من المساحة المزروعة موجودة في كولومبيا و30 في المئة في البيرو و10 في المئة في بوليفيا. في بداية التسعينيات، كانت البيرو تمثل 60 في المئة وبوليفيا 25 في المئة وكولومبيا 15 في المئة.

واقع جديد

أطلس المخدرات أرخبيل مليء بالتقديرات: يقدر الإنتاج بالصور الجوية للمساحات المزروعة، والتهريب بوزن الكميات المحجوزة، والاستهلاك بأجوبة المستطلعين أو بأعداد المعتقلين والمرضى. ما ليس ضمن التقدير أن مافيات المخدرات نجحت في التعاطي مع العولمة بالمفرق بليونة أربكت شكليات الدول وحدودها وتشريعاتها. تميّزت هذه المافيات بسرعة تأقلمها وبقدرتها على تنويع مجالات تدخلها وتبديل وسائلها وطرقها وصفوف العاملين معها.
بعض الأمثلة السريعة عما تغيّر: صارت الأمازون المشتركة، وهي منطقة صعبة المراقبة، مركزاً للزراعات وللمختبرات ولمطارات الترانزيت نحو محطات جديدة. مع تراجع موقع كولومبيا الاستراتيجي على المحيطين، أنشأ ألف طريق وطريق في دول صغيرة لم تكن على الخريطة القديمة، حيث تتخطى مصالح المافيات أحياناً موازنات الدول. مثلاً في جزر الكاريب أو في دول أفريقية صارت قاعدة ارتكاز على طريق أوروبا، وكذلك في جميع دول أميركا الوسطى المنتشرة بين كولومبيا والمكسيك.
أخيراً اندمجت مافيات المخدرات بمافيات الجريمة المنظمة: في البرازيل مثلاً، تدير الجريمة المنظمة من داخل السجون نشاطاتها في الخارج وتسيطر بواسطة توزيع المخدرات على أحياء بأكملها في الضواحي الفقيرة للمدن العملاقة. أما في أميركا الوسطى، فترهب عصابات «الماراس» المؤلفة من شباب عاطل من العمل بإمرة مهاجرين طردوا من الولايات المتحدة المدن بجرائمها الفظيعة وهي تتكفل بتجارة المخدرات.
تمثّل المكسيك اليوم ربما أصعب معضلة: بالتأكيد لم تبدأ قصة المكسيك مع المخدرات بسبب هذه «الحرب»، ولكنها أدت إلى انتقال سلطة المافيات من كولومبيا إليها. قبلها، كانت المكسيك أول منتج للماريغوانا في العالم، و«المكسيكيون» يعملون لدى الكولومبيين لإدخال الكوكايين إلى الولايات المتحدة. بعدها، لا يزال 90 في المئة من كوكايين الولايات المتحدة يمر بالمكسيك، ولو بالغواصات، ولكن المافيات المكسيكية ـــــ ثلاث أساسية ـــــ حلت محل «الكولومبيين»، وقد رُصدت تحركاتها خلال السنوات الأخيرة في أكثر من 50 دولة. إلا أن أعمال «المكسيكيين» اليوم أوسع بما لا يقاس مما كان يفعله الكولومبيون المتخصصون بالكوكايين، إذ صاروا يسيطرون أيضاً على سوق الأمفيتامين وعلى شتى أنواع التهريب، ومنها الأسلحة الحربية، القائمة على 3000 كيلومتر من الحدود المشتركة مع الولايات المتحدة. امتداد «الحرب على المخدرات» إليها، بواسطة «مبادرة ميريدا» وهي نوع من «خطة كولومبيا» مكسيكية، فجر موجة عنف متصاعدة (أكثر من عشرة قتلى يومياً) تذكر بكولومبيا الثمانينيات. وعبر أخيراً الرئيس كالديرون أمام معاونيه عن خشيته بأن تعيّن مافيات المخدرات خلفه على الكرسي اليساري، تماماً كما حصل في كولومبيا التسعينيات.

أول الغيث قطرة

في اجتماع الأمم المتحدة الذي عقد في النمسا في شهر آذار، الجو محيّر. الكلام عن «الاستئصال» الذي كان رائجاً قبل عقد اختفى تقريباً من الأدبيات ليحل محله كلام عن «التثبيت». يقدر عدد الذين يتعاطون المخدرات على اختلاف أشكالها نحو 230 مليون نسمة، ما يمثل تقريباً 5 في المئة من سكان العالم بين 15 و64 عاماً.
البعض يتفاءل لأن الاستهلاك، باستثناء المنشطات الكيمياوية، توقف عن النمو في الدول الغنية، ولكن الدول النامية والفقيرة لا تستطيع قول الشيء نفسه. يستغل إيفو موراليس الضياع وعدم التوافق ليحضر و«يخزن» خلال الاجتماع للإشارة إلى «الظلم التاريخي» الذي مورس بحق الشعوب الهندية من خلال تجريم عاداتهم التقليدية. التوافق العام على استقواء الجريمة المنظمة يجعل الاصطفافات الماضية بين المعسكر القمعي ــــ عادة الولايات المتحدة وروسيا ــــ والأوروبيين بالية. هناك شعور بأن مرحلة انتهت وأن عناصر التالية لم تنضج بعد.
قبل الاجتماع وتحضيراً له، صدرت وثيقة وضعتها لجنة حكماء أميركية لاتينية يترأسها ثلاثة رؤساء سابقين من البرازيل وكولومبيا والمكسيك. خلاصتها أن الخطط القائمة على القمع الأحادي منذ 3 عقود أدت إلى أزمة خطيرة صارت تهدد المؤسسات والديموقراطية في هذه المنطقة. تقترح الوثيقة «قطيعة مع الحرب الخاسرة» و«مقاربة مغايرة» تعيد تشريح الملف وتحديد الأهداف والوسائل. تطلب إعادة الاعتبار للعلاج بدلاً من القمع، والتركيز على تقليص الطلب في الدول الغنية، ودراسة شرعنة الماريغوانا لعدم تشتيت القدرات، وتركيز القمع على الجريمة المنظمة.
بعد الاجتماع، ومن الولايات المتحدة هذه المرة، تأتي أصوات متطابقة. وقد تمثّل الأزمة الاقتصادية رافعة لإيصالها: حسب مجلة «تايم»، تصرف الولايات المتحدة سنوياً نحو 220 مليار دولار على البوليس والقضاء والسجون، ونصف الاعتقالات تمت بصلة ما بالماريغوانا التي تمثل حسب بعض التقديرات أكثر من 60 في المئة من عائدات المافيات.
من هنا، يتجدد السؤال عن جدوى الاستمرار في التعاطي مع المخدرات كسلة واحدة «غيبية» والخلط بين الماريغوانا (التي هي بخطورة التبغ أو الكحول) وبين المخدرات «القاسية». صار 40 في المئة من الأميركيين (65 في المئة في كاليفورنيا) يؤيد شرعنة الماريغوانا وفرض ضرائب على بيعها، وهي نسبة تضاعفت خلال آخر عقدين.
بالبراغماتية التي تميز إدارة أوباما، صرح قبل أسبوع جيل كيروكوفسكي، «قيصر محاربة المخدرات» الجديد، أنه يجب إسقاط «عبارة الحرب على المخدرات لأنها توحي خطأً بأننا نخوض حرباً على ناس هذا البلد». وحدد هدفه المركزي بـ«خفض عدد المعتقلين». هل تصبح شرعنة التجارة، أسوة بما حصل مع الكحول عام 1933 بعد الانهيار الاقتصادي الكبير، الوسيلة الوحيدة لتستعيد الدولة السيطرة على هذا القطاع وتجني منه مداخيل وتحرره من الجريمة المنظمة وتقضي على «آل كابونات» القرن الواحد والعشرين؟



أطلس المخدرات

الخشخاش (الأفيوم والهيروين والمورفين). الإنتاج: أفغانستان وبنسبة أقل ميانمار. المستهلكون: 16 مليوناً أكثريتهم في آسيا ومنها إيران، على شكل أفيوم في الريف وهيرويين في المدن. أوروبا مستهلك كبير للهيرويين.
الكوكا (الكوكايين والكراك). الإنتاج: كولومبيا ثم البيرو وأخيراً بوليفيا. المستهلكون 16 مليوناً: 50 في المئة في أميركا الشمالية، 25 في المئة في أوروبا و20 في المئة في أميركا الجنوبية. في الأميركيتين، الكوكايين للأغنياء والكراك للفقراء.
الكانابيس (النباتي أي الماريغوانا والزيتي أي الحشيشة): الإنتاج: 172 دولة، أهمها المكسيك والولايات المتحدة والباراغواي وجامايكا وكل أفريقيا للنباتي. المغرب وأفغانستان وباكستان ولبنان للزيتي. المستهلكون: 165 مليوناً على القارات الخمس.
المنشطات الكيمياوية (أهمها الأمفيتامين والاكستازي). الإنتاج: يصنع في المختبرات. الأمفيتامين (3/4 الإنتاج) صمم في أميركا والإكستازي (1/4) في أوروبا. منذ 5 سنوات، اكتشاف مختبرات في 25 دولة. المستهلكون: على نمو مطّرد، أكثر من 25 مليوناً.