أرنست خوري

وضعت مجزرة قرية بيلج، التابعة لمحافظة ماردين جنوب شرق تركيا، ليل الاثنين الماضي، مصير ميليشيات «حرس الحدود» الموازية للشرطة التركية، في صدارة المواضيع الحامية على الساحة الداخلية في البلاد.
ففي تلك الليلة، نفّذ أكثر من 10 عناصر من «الحرس»، مجزرة مروّعة أودت بحياة 44 شخصاً خلال حفل زفاف. حمام دم كان كافياً ليصبح احتمال إلغاء هذه الميليشيات، التي قارب عمر تأسيسها 24 عاماً، حديث الساعة في تركيا، وعلى أعلى المستويات في الحكومة والبرلمان والصحافة. يبقى إقناع العسكر بضرورة تسريح ما يقارب 90 ألف مسلّح يتقاضى معظمهم رواتب حكومية (أدنى من تلك التي يتقاضاها عناصر الشرطة النظامية) ويستفيدون من النفوذ والتقديمات الصحية والاجتماعية الحكومية على اعتبار أنّهم مولجون بالقضاء على عناصر حزب العمال الكردستاني في 35 محافظة تركية، معظمها تعيش فيها غالبية كردية. ومعروف أن عناصر حرس الحدود عبارة عن موظفين يتلقون رواتب شهرية في 22 محافظة، ومتطوعين في 13 محافظة أخرى.
ولم تكن مجزرة الزفاف الجريمة الأولى التي يكون «الحرس» متورطاً فيها، إلا أنها على الأرجح الأفظع. وأجمعت مصادر الإعلام التركي والتحقيقات والتصريحات الحكومية والحزبية في المعارصة والسلطة على أنّ أسباب الجريمة عديدة ومتشابكة، لكن الثابت هو أنّ عناصر «الحرس» استغلوا موقعهم وسلاحهم وسطوتهم لتصفية حسابات عائلية وقبلية ومصلحية وفئوية.
وبحسب ما ظهر بعد مرور 4 أيام على المذبحة، فإنّ عناصر «الحرس» ينتمون إلى عائلة محلية يربطها خلاف تاريخي مع عائلة «مشروع العروس» التي قتلت وأقاربها.
خلاف متعلق بعمليات ثأر، وخلاف حول ديون قديمة، ومشاكل على ملكية أراضٍ ومزارع. ولكي يكتمل المشهد، فإنّ أحد المهاجمين كان يعارض زواج العروس لأنه كان يريدها أن تصبح زوجته. ولم يكن ينقص مشهد الجريمة سوى السلاح الأوتوماتيكي والرجال للقضاء على أكبر عدد من الأشخاص، وهو ما تحقق على أيدي «حرس الحدود».
وهذه الميليشيا أنشأتها الحكومة التركية بعد عام واحد من إطلاق «العمال الكردستاني» كفاحهم المسلح، أي في عام 1985. وتم تسليح عائلات كردية تعيش في المحافظات الجنوبية الشرقية لمقاتلة «الكردستاني» وجمع المعلومات الاستخبارية عنهم ومحاولة عزل السكان عن كوادر «العمال». ومنذ ذلك العام، قتل منهم نحو 1335 عنصراً في هذه الحرب المفتوحة. ومنذ تأسيس «الحرس»، كانت علاقتهم بالحكومة موضوعاً إشكالياً في تركيا، بين مدافع عن استمرار وجودهم ـــــ ومعظم هؤلاء يدور في فلك رأي المؤسسة العسكرية ـــــ ومن يدعو إلى حلّ هذه الميليشيات سريعاً. ولدى هذه الفئة، الكثير من الحجج: يكفي أنّ ثلث عديد عناصر «الحرس» صادرة بحقهم أحكام قضائية بين جرائم قتل وسرقة وتهريب واعتداء. إذاً، بات الانتماء إلى «الحرس»، أشبه بوسيلة للهرب من العدالة. أضف إلى أنّ معظم المواطنين الأكراد، ومسؤوليهم السياسيين، يرون أن «حرس الحدود» ليس سوى «أداة مبرمجة للقتل الدائم».
بات إلغاء «حرس الحدود»، اليوم، بعهدة البرلمان، الذي ألف لجنة لدراسة الموضوع، في ظل اعتراف نائب رئيس الحكومة كميل جيجيك ووزير الداخلية بشير أتالاي بأنّه «من الممكن إلغاء حرس الحدود، على أن يكون اتخاذ قرار مركزي بهذا الحجم بعيداً عن ردود الفعل»، وفق تعبير جيجيك.