صنعاء | «قولوا للإعلام إنها القاعدة في اليمن». هذه العبارة نقلتها صحيفة «عشرون دقيقة» الفرنسية عن شاهد عيان، سمع أحد المعتدين على صحيفة «شارلي إيبدو»، يقولها قبل أن يستقل السيارة ويلوذ بالفرار، يوم الأربعاء الماضي. في اليوم التالي، تداولت وسائل الإعلام، معلومات استخبارية غربية ويمنية، عن زيارات قام بها سعيد كواشي، أحد الأخوين المتهمين بالهجوم على الصحيفة الفرنسية، إلى اليمن حيث تدرّب مع تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، وتلقى دروساً دينية. وسريعاً، بارك «القاعدة» في اليمن العملية، ووصفها بـ «الغزوة المباركة»، من دون أن يعلن صراحةً مشاركته فيها، وذلك على لسان أحد زعمائه، الشيخ حارث النظاري.


هذه المعطيات، أعادت التنظيم المتطرّف إلى الواجهة مجدداً، بعدما خفت حديث وسائل الاعلام العالمية عنه في الآونة الأخيرة، لمصلحة تنظيمات أخرى نشطت في العالم العربي، على رأسها تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش)، وفيما تجنب مسؤولون غربيون، بينهم وزير العدل الأميركي، إريك هولدر، تأكيد تورّط «القاعدة» في الهجوم الأخير، عاد اسم التنظيم إلى الألسنة الغربية، بعدما تحوّل في السنوات الأخيرة إلى طرف محلّي، يقاتل الدولة وأطراف يمنية أخرى، من دون أن «تعكّر» نشاطه غارات الحملة الأميركية عليه.

«القاعدة في جزيرة العرب»

المرة الأولى التي سمع فيها اليمنيون باسم «القاعدة» في بلدهم كانت عام 1992. حينها، اشتبهت السلطات في تورط مجموعة من «الجهاديين» في تفجير فندق «عدن»، الذي كانت تستخدمه القوات الأميركية المقاتلة في الصومال آنذاك. قبل ذلك، لم يكن لـ «القاعدة» في اليمن أي نشاط مؤثر على الأرض. غير أنه، مثل التنظيم الأم، نشأ منذ عودة «الجهاديين العرب» من أفغانستان مطلع التسعينيات، بعد مشاركتهم في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي. وفي البداية، اقتصر نشاط التنظيم على الدعوة إلى محاربة الغرب وتطبيق الشريعة.
وبعد انضمام عدد من الجهاديين السعوديين إلى اليمن، على مدى سنوات، وبعدما أصبح عدد كبير من هؤلاء قادة في التنظيم اليمني، أُعلن، عام 2009، تأسيس «القاعدة في جزيرة العرب»، إثر دمج التنظيمين في السعودية واليمن، بقيادة ناصر الوحيشي.
في عام 2002، بعد عامين عللى تفجير البارجة الحربية الأميركية "يو اس اس كول" في ميناء عدن، أعلنت واشنطن استراتيجية «مكافحة الإرهاب في اليمن» لمحاربة «القاعدة»، وتمكّنت في تشرين الثاني من العام نفسه، من قتل القيادي في التنظيم أبو علي الحارثي، في أول غارة لطائرة من دون طيار، نفذتها في صحراء مأرب. ثم توالت عمليات «القاعدة» ضد أهداف أميركية وفرنسية في اليمن، كتفجير الحاملة النفطية الفرنسية «ليمبورغ» في محافظة حضرموت عام 2003، وتفجير السفارة الأميركية في صنعاء عام 2008.

في عام 1992 وقع أول تفجير يُنسب إلى «الجهاديين» في اليمن
وبعد دمج فرعي السعودية واليمن، تبنى التنظيم، عام 2009، محاولة تفجير طائرة أميركية، أثناء رحلتها من العاصمة الهولندية أمستردام إلى مدينة ديترويت الأميركية، تولاها لنيجيري عمر الفاروق قبل أن تُحبَط. هذه العملية مثلت منطلقاً لواشنطن لتعيد تفعيل حملتها في اليمن، بعدما خفّت بصورةٍ كبيرة بين عامي 2002 و2009.

قتاله الجيش والحوثيين

في عام 2011، إثر الانتفاضة اليمنية، عزّز التنظيم سيطرته على المحافظات الجنوبية، لكنه في الفترة الأخيرة، لم يعد يتخذ مكاناً محدداً، وذلك لتجنب ضربات السلطات اليمنية التي أطلقت حملةً لاجتثاث «القاعدة» في العام الماضي، ومن الطائرات الأميركية. حتى بات يعتمد استراتيجية حرب العصابات وحروب الاستنزاف، وهي الاستراتيجية التي كلفت السلطات اليمنية ثمناً باهظاً، نظراً لتقدم عناصر التنظيم عليها في الجانب التكتيكي، وهم لذلك نجحوا مراراً في اختراق مواقع محصنة لقوات الجيش اليمني، وتدمير بعضها وقتل عدد من الجنود. وكان أبرز تلك الهجمات استهداف مسلحين من «القاعدة» مجمع العرضي، مقر وزارة الدفاع اليمنية، في كانون الثاني عام 2013، ما أدى إلى مقتل أكثر من 50 من الجنود والمدنيين وأطباء المستشفى الموجود في المجمع.
انسحب التنظيم من مناطق عدة كان قد سيطر عليها خلال الأعوام الماضية، أبرزها مدينة جعار في محافظة أبين (جنوب)، التي بسيط سيطرته عليها في أيار 2011، وأنشأ فيها ما سمّاه «ولاية وقار»، قبل أن ينجح الجيش اليمني في استعادة المنطقة، بعد مواجهات عنيفة مع التنظيم في حزيران 2012. كذلك، انسحب عناصر التنظيم إلى عزان في محافظة شبوة (جنوب) التي أعلن الجيش اليمني أيضاً سيطرته عليها في أيار الماضي، بالإضافة إلى انسحابهم إلى مناطق عدة في حضرموت شرقي البلاد.
أما المفصل الأكبر في سيرة التنظيم، فكان المجزرة التي اقترفها التنظيم ضد الجيش اليمني، قبل أشهر قليلة، حين ذبح 14 جندياً في حضرموت، بتهمة «التحوّث» أي دعم جماعة «أنصار الله» (الحوثيون). منذ ذلك الحين تحوّل نشاط «القاعدة» على نحو صريح، باتجاه قتال الجيش والدولة في اليمن. وبعد سيطرة الجماعة على العاصمة اليمنية صنعاء وعلى محافظات عدة، أعلن التنظيم الحرب على الحوثيين، فتبنى تفجيرات استهدفت تجمعاتهم في صنعاء وفي مدن أخرى، إلى جانب المعارك الدائرة بين الجماعة والتنظيم وسط البلاد. وقد تمكّن الحوثيون من تكبيد التنظيم خسائر في معقله في مدينة رداع، أدت إلى انسحابه من مواقع استراتيجية، اضافة إلى خسارته مناطق في مدينة إب، وسط البلاد.